عندما ضرب التسونامي القوي قبل عقد مدينة باندا آتشيه في إندونيسيا، فإنّ المباني الوحيدة التي بقيت صامدة في أحياء كثيرة هي المساجد. بالنسبة لمئات الأشخاص الذين وجدوا ملجأ بين جدرانها، فإنّ دورها في إنقاذ حياتهم لم يُنس، وبالنسبة للكثيرين منهم فقد عزّزت تلك التجربة من إيمانهم.

يقول خبراء في الهندسة المعمارية إنّ المساجد في باندا آتشيه نجت من الكارثة الطبيعية لأنّها بُنيتْ بمكان أعلى وهي تقف على الأساسات الأقوى مقارنة مع المباني المجاورة، التي بُني معظمها من مواد ذات جودة رديئة. ولكن الكثير من الناجين يؤمنون أنّ المساجد قد نجت من الدماء بفضل العناية الإلهية.

المسجد الكبير في إندونيسيا قبل وبعد التسونامي (AFP)

المسجد الكبير في إندونيسيا قبل وبعد التسونامي (AFP)

"ذلك لأنّ المسجد هو بيت الله، خالق مثل هذا التسونامي. فهو محميّ"، قال أحد الناجين من التسونامي (تم إجراء المقابلة معه من قبل وكالة الأنباء AP) الذي وجد ملجأ في المسجد الكبير في بيتورنمان، أحد المعالم الرئيسية في المدينة الإندونيسية، بمآذنه الشاهقة لعلوّ 35 مترا، وجدرانه البيضاء وقبابه السوداء السبع.

أقيم المسجد من قبل المحتلّين الهولنديين وتم الانتهاء من بنائه عام 1881. في 26 كانون الأول عام 2004 خرج تقريبا دون أي ضرر عندما خرّب التسونامي مدينة باندا آتشيه وقتل أكثر من 230 ألف إنسان في أكثر من 12 بلد في جميع أنحاء المحيط الهندي.

الخراب الذي خلفه التسونامي في مبنى المسجد الكبير (AFP)

الخراب الذي خلفه التسونامي في مبنى المسجد الكبير (AFP)

ناجٍ آخر كان يبلغ من العمر حينذاك 18 عاما، عندما وجد ملجأ من التسونامي حين تسلّق على إحدى القباب السوداء للمسجد الكبير. لأنّه رأى مياه المحيط وهي تجتاح المدينة وتصل حتى الجدران الخارجية للمسجد وتترك خلفها آلاف الجثث. لم ير في حياته جثثا كثيرة بهذا الشكل. في تلك الفترة، بدأ أيضًا بالصلاة خمس مرات في اليوم، وهي واجب ديني من أركان الإسلام.

الكثير من سكان باندا آتشيه، المقاطعة التي تضمّ أكبر نسبة من السكان المسلمين في كل إندونيسيا، يؤمنون بأنّ الكارثة هي عقوبة من الأعلى بسبب افتقارهم للإخلاص إلى الله. وقال واعظ شهير في المنطقة، إنّ التسونامي جعل الكثير من السكان مؤمنين أتقياء. "لقد شجّع سكان باندا آتشيه على تجديد إخلاصهم للإيمان"، كما قال.

إندونيسيا، المسجد الكبير في بينورنمان (AFP)

إندونيسيا، المسجد الكبير في بينورنمان (AFP)

ومع تجدد الحماسة الدينية لدى الكثيرين في باندا آتشيه، المنطقة التي تقع في شمال سومطرة، أصبحت كذلك المنطقة الوحيدة في إندونيسيا التي يتم فيها تحكيم القانون الإسلامي؛ الشريعة، كجزء من اتفاق سلام تم التوصل إليه بين الحكومة والانفصاليين الإسلاميين ("حركة آتشيه الحرّة") من أجل وضع حدّ لعقود من الحرب. في إطار هذا الاتفاق حظيت المنطقة بحكم ذاتي بشكل نسبي.

وقال خبراء في الهندسة المعمارية في إندونيسيا إنّ 27 مسجدا على الأقل نجت من التسونامي في الوقت الذي هُدمت معظم المباني التي حولها. انتشرت صور للمساجد التي بقيت صامدة على خلفية الدماء الهائل حولهم في الإنترنت بعد الكارثة، وقال الكثيرون إنّها معجزة عظيمة.

يقول مهندسون معماريّون إنّ المساجد بقيت صامدة بشكل أساسيّ بسبب بنائها الصلب بالمقارنة مع المباني التي حولها. المسجد الكبير، بحسب كلامهم، بُني من قبل الأوروبيين ولديه أساسات مستقرّة وصلبة. في حالات عديدة، بنيت مساجد وكنائس من قبل منظمات خيرية ولذلك فإنّ بناءها لم يكن مصحوبا بفساد مقاولي البناء والعمل مع مواد بناء ذات جودة رديئة.