في مطلع الشهر، أعلنت السعودية وحلفاؤها في الخليج عن حركة حزب الله بصفته تنظيما إرهابيا، وأعلنت أنها ستوقف دعمهما الاقتصادي اللبناني الذي يعادل مليارات الدولارات. لم يمنع الصراع الطويل بين حزب الله والسعودية من الأخيرة، حتى الآن، دعم لبنان. كانت القشة التي قصمت ظهر البعير السعودي هي عدم استعداد الحكومة اللبنانية للانضمام إلى المقاطعة الدبلوماسية ضد إيران بعد ضرب السفارة السعودية في طهران. وأضاف وزير الخارجية اللبناني، جبران باسيل، خطيئة على ذلك عندما رفض طلب السعودية الصريح بقطع علاقات بلاده الدبلوماسية مع إيران.

تميل الحكومة اللبنانية إلى الوقوف بجانب إيران في حربها التي تشنّها بهدف الهيمنة على الشرق الأوسط.‎ ‎وقد تأثر موقفها، من بين أمور أخرى، بتهديدات حزب الله المستمرة أنّه سيستخدم قوته العسكرية ضدّ جهات داخلية لبنانية، بشكل مماثل لإظهار القوة لدى الحركة في أيار عام 2008. جعل هذا الواقع لبنان، في نظر معظم دول الخليج العربي على الأقل، مواليا للشيعة وإيران. يدور الحديث عن تهمتين ثقيلتين في قاموس الصراع السني الشيعي والسعودي الإيراني في الشرق الأوسط، الذي يجعل الكثير من الدول في المنطقة ساحة معركة مدمّرة ودموية.

يعلم السعوديون منذ سنوات كثيرة أنّ إيران تسيطر على لبنان من خلال حزب الله. ومع ذلك، وربما لسبب آخر، سلّحت السعودية الجيش اللبناني (بما في ذلك اللواء الشيعي في الجيش). وقد أمل السعوديون أنّهم سيساعدون بذلك حلفاءهم من ائتلاف 14 آذار، بقيادة سعد الحريري، في إيقاف اتجاه الهيمنة الإيرانية على لبنان. ولكن خاب أملهم، وتقع لبنان الآن أكثر من أي وقت مضى تحت وطأة الهيمنة الشيعية - الإيرانية، التي تهدد دول الخليج. اتهم أحمد العسيري، رئيس الدعاية في الائتلاف العربي في اليمن، حزب الله بالتدخل العسكري في سوريا، الكويت، البحرين، واليمن، مدعيا أنّ الحركة تشكّل تهديدا مباشرا على المصالح الأمنية لدول الخليج.

الجيش اللبناني (AFP)

الجيش اللبناني (AFP)

ورفض أيضًا وزراء في الحكومة اللبنانية والمحسوبين على السعودية، مثل وزير الداخلية نهاد المشنوق، تأييد الإعلان عن حزب الله أنه تنظيم إرهابي. مصلحتهم واضحة: الحركة قادرة على جرّ لبنان إلى حرب أهلية ثالثة قد تكون نتائجها مدمّرة على الأقل مثلما يحدث في سوريا. ويفضّل خصوم حزب الله في لبنان مواجهة آثار الغضب السعودي على المخاطرة بتدمير بلادهم.

ويشير الإعلان السعودي إلى تغييرات عميقة في سياسة هذه القوة السنية.‎ ‎إنها تنتج تمييزا واضحا أكثر من أي وقت مضى بين "نحن" السنة وبين "أعدائنا" الشيعة، وقد انتقل لبنان، الذي لا يريد أو يستطيع مواجهة حزب الله، إلى معسكر العدو. يكتسب المبدأ السعودي في أعقاب الهجوم على السفارة في طهران زخما، والرسالة هي أنّ الدول التي لا تقف بشكل واضح إلى جانب السعودية ستعاني من مصير مماثل لما حدث للبنان: إيقاف المساعدات، طرد مواطنيها من السعودية، عدم تجديد عقود العمل، تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي، إلغاء اتصالات الطيران وغير ذلك.

ومع ذلك، تظهر السعودية بذلك أيضًا ضعفًا وخشية. فحربها ضدّ إيران تتعثّر في جميع الساحات: في اليمن، العراق، سوريا، والآن في لبنان، رغم الموارد الهائلة التي تستثمرها السعودية فيها.‎ ‎ورغم أن حالة إيران في لعبة الشطرنج الإقليمية ليست أفضل، وهي أيضًا تدفع ثمنا باهظا على كل خطوة، فهي تنجح حتى الآن في الحفاظ على حلفائها بشكل أفضل من السعوديين. على هذه الخلفية من غير الواضح إذا ما كانت التضحية بلبنان ستساعد المصالح السعودية على الأمد القريب والمتوسط، أم سيتضح لاحقا أنها تحديدا إحدى نقاط تدهور السعودية في حربها الباردة الطويلة ضدّ إيران.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي