يثير الشريط الذي سُمع فيه صوت صائب عريقات مهاجمًا أبي مازن بحدّة بسبب مواقفه في الأمم المتحدة أمام إسرائيل، الأفكار حول وحدة أبي مازن في قمة السلطة والحالة الإشكالية التي توصل إليها الإسرائيليون والفلسطينيون
"الشريط الساخن" هو مصطلح تقرّر في اللغة العبرية في أعقاب حادث محرج جدّا في التاريخ السياسي الإسرائيلي: ففي عام 1993 ادّعى نتنياهو أنّ عناصر داخل حزبه يضغطون عليه بسبب شريط يتواجد في أيديهم تم فيه توثيقه وهو في أوضاع حميمية مع امرأة ليست زوجته.

مرّت منذ ذلك الحين سنوات كثيرة، وأصبح نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية، ولكن "الأشرطة الساخنة" ما زالت بضاعة مطلوبة في منطقتنا. ففي هذه المرة، تمّ الإمساك والتسجيل لرجل حذر بشكل عام, رئيس المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات.

في التسجيل (الذي يمكنكم الاستماع إليه في الأسفل) يعبّر عريقات عن إحباطه العميق من الرئيس الفلسطيني، ورغم ادّعائه أن كلماته قد جرى اقتطاعها وتحريرها، فلا شكّ أن مقارنة أبي مازن مع بشّار الأسد وصدام حسين لن تضيف له رصيدًا عند الرئيس.

ولكن، عدا عن الاستمتاع بمعرفة ما يفكّر فيه المتحدّث ذو المهارة العالية، في الحقيقة؛ فهناك بضع نقاط مهمّة تظهر عند الاستماع لهذا الشريط، على خلفية الوضع الحالي - الكئيب مع الأسف - بين إسرائيل والفلسطينيين:

1. السياسة الخارجية الأمريكية: رغم الفشل الحقيقي في العراق وسوريا، فالقضية الإسرائيلية - الفلسطينية تبدو أكثر بساطة، ولكن لا يمكن ألا نتعجّب من جون كيري وأكثر من ذلك من الرئيس باراك أوباما. يكشف الشريط عن فجوات ضخمة بين كلا الجانبين وفي الواقع عن أجواء من انعدام الثقة بينهما. ربما لم تقم الإدارة الأمريكية بواجباتها المدرسية وتفهم أنّ هذا هو الوضع قبل أن يبدأ كيري محاولاته البطولية في التوصّل إلى اتفاق سلام بين الجانبين. ولو كان الأمريكيون يعرفون ويفهمون وأرسلوا كيري رغم ذلك؛ فالأمر أكثر خطورة.

2. وكما يبدو، فإنّ صائب عريقات محبط جدّا من حقيقة أنّ عباس لا يسمح بالتوجّه إلى المحكمة الدولية في لاهاي ومحاولة جعل نتنياهو مجرم حرب. وسيعتقد مستمعيه أنّ هذا هو الحلّ النهائي لجميع مشاكل الفلسطينيين. إن الحديث عن طريقة طفولية لم يسبق لها مثيل حيث يمكن بالتأكيد أن نفهم لماذا لا يبذل عباس جهوده. فلنفترض أنّ الخطوة الفلسطينية قد نجحت (أمر غير مؤكّد على الإطلاق) ولم يعد بإمكان نتنياهو أن يطير إلى أيّ مكان في العالم. فلنفترض. كيف سيقدّم هذا الأمر الدولة الفلسطينية؟ إذا كان الأمر كذلك، فنتنياهو سيزيد مواقفه تطرّفا كلّما حُصر في الزاوية.

3. يرفض عريقات تمامًا القيود التي يقف أبو مازن أمامها (الكونغرس الأمريكي، الدول العربيّة). الأمر يُظهر بشكل أساسيّ شيئًا واحدًا: ليست ملقاه على عاتقه أيّة مسؤولية. لن يحتاج أن يكون مسؤولا ومحاسبًا أمام الأشخاص الذين لم يتلقّوا رواتبهم قبل أن يوقف الكونغرس الأمريكي المساعدات المالية. ولن يكون مضطرًّا للردّ على هاتف غاضب من الرئيس المصري.

4. التنسيق الأمني؛ ليس هناك ما يُقال في الحقيقة. من المذهل أن رجلا يقدّم نفسه كمعتدل، مثل عريقات، لا يفهم أنّه إذا لم يكن هناك تنسيق أمني بين إسرائيل والفلسطينيين فسيحدث واحد من أمرين: إمّا أن تتحوّل الضفة الغربية إلى مركز للإرهاب، الذي سيحوّل بدوره حياة المواطنين إلى ما لا يُطاق، أو أنّ الإسرائيليين سيُجبرون على "فرض النظام" بأنفسهم، مما كان سيحوّل حياة المواطنين، مرّة أخرى، إلى ما لا يُطاق.

5. لا شكّ أن الأوضاع بين إسرائيل والفلسطينيين "بعد كيري" أكثر سوءًا من الأوضاع "قبل كيري". في مثل هذا الوضع المتفجّر، حيث تشتعل المنطقة كلّها بالنيران؛ ينبغي على كلا الجانبين أن يتصرّفا بحذر كبير وربّما أن يؤجّلا القرارات التاريخية لتوقيت أكثر ملاءمة.