برهن تقرير جديد نُشر الأسبوع الماضي أنّ خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس يتغيّر وفق الجمهور الذي يتوجّه إليه. فقد اقتبس معهد ميمري لبحث إعلام الشرق الأوسط من خطابات عبّاس ومقابلاته الموجّهة لجماهير مختلفة. ويبدو هناك أنه حين كان يخاطب طلبة جامعيين فلسطينيين، كان هجوميًّا، وأطلق مواقف غير قابلة للتسوية، أمّا أمام جمهور إسرائيلي، وأكثر أمام جمهور أمريكي، فقد عبّر عن نزعة تسووية واستعدادٍ للتنازُل.

من الجليّ أنّ كلّ زعيم يخوض مفاوضات يكون في مأزق بين حاجته إلى إظهار ثباته وإنجازاته أمام شعبه وحاجته، إلى إظهار استعداده للتسوية للجانب الآخَر. لكن يبدو أنّ الرئيس عباس لا يلزم الحذر إطلاقًا، إذ يجري اقتباس أقوال متناقضة كليًّا له، لا يمكنها أن تنسجم معًا.

هكذا، على سبيل المثال، فيما يتعلّق بحقّ العودة، ادّعى محمود عباس أمام جمهور فلسطيني أنّ حقّ العودة خيارٌ شخصيّ: "ليست هناك دولة أو سلطة أو منظّمة... من حقّها سلبُ أحد حقَّه بالعودة". حتّى إنه أعلن أمام طلبة جامعيين فلسطينيين في رام الله أنّ الخيار هو خيار كلٍّ من اللاجئين الفلسطينيين الخمسة ملايين، فإذا أرادوا يمكنهم العودة إلى داخل حدود إسرائيل ونيل الجنسيّة الإسرائيلية، أو العودة إلى الدولة الفلسطينية.

بالمُقابل، أمام جمهور إسرائيلي وصل ضمن وفد سلام إلى رام الله، قال عباس إنه لا يعتزم غمر إسرائيل باللاجئين: "ثمة دعاية بأنّ (أبا مازن يُريد إعادة 5 ملايين لاجئ إلى دولة إسرائيل لتدميرها). هذا الأمر لا أساس له من الصحّة. قُلنا فقط بأنّ علينا طرح موضوع اللاجئين على طاولة المفاوضات لأنه موضوع حسّاس، يجب حلّه لوضع حدّ للنزاع وحتّى يكون اللاجئون راضين عن معاهدة السلام. على أيّة حال، لا ننوي غمر إسرائيل بالملايين".

وفي شأن الحدود وانسحاب إسرائيل أيضًا، ليس ثمة موقف واضح لعبّاس. فأمام العالم وأمام الشعب الإسرائيلي، قال عباس غير مرّة إنّ حدود الدولة الفلسطينية ستكون حدود 1967، مع تبادُل أراضٍ بنسبة 1:1، يكون الفلسطينيون موافقين عليه. وقال أيضًا إنهم سيوافقون على انسحاب إسرائيلي تدريجي خلال ثلاث سنوات، حتّى إنه مدّد ذلك إلى خمس سنوات في مُقابلة مع نيويورك تايمز.

بالمُقابل، أمام طلّاب جامعيّين فلسطينيين في رام الله، قال عباس: "كلّ حجر وبيت بُنيا بعد عام 1967 غير شرعيَّين ولن نعترف بهما"، مضيفًا: "حين نوقِّع على الاتّفاق، تنسحب إسرائيل تدريجيًّا، وفي نهاية الفترة المُحدّدة، لن يبقى فيها أيّ إسرائيلي". ولم يأتِ عباس طبعًا على ذكر تبادُل الأراضي، بل بدا من كلامه أنه لن يوافق على أيّ تبادُل لأراضٍ بنى عليها الإسرائيليون بعد 1967.

أمّا في مسألة القدس، فقد جرى الحديث عن "دولة فلسطينية عاصمتها في القدس الشرقية"، صيغة أثارت السخط بين الفلسطينيين، الذين يؤكِّدون على أنّ الحديث هو عن القدس الشرقية كلّها، لا أجزاء منها أو ضواحيها. وفي كلامه أمام جمهور إسرائيلي، شدّد عباس على أنّ القدس لن تُقسَّم، بل ستكون فيها بلديّتان، يشرف عليهما إطار تنسيقي.  بالتبايُن، أكّد عباس أمام جمهور فلسطيني على عدم التنازُل عن أيّ جُزء من القدس الشرقية، التي سيجري الإعلان عنها عاصمة فلسطينية حصرًا، مضيفًا أنه إذا نشأت الحاجة، فسيكون هناك شهداء وجهاديّون يضحّون بنفسهم من أجل القدس، رسالة بعيدة جدًّا عن أن تكون سلميّة.

أمّا الأمر الوحيد الذي صرّح به عباس أمام الجميع فهو أنه غير مستعدّ بأيّ شكلٍ من الأشكال للاعتراف بدولة إسرائيل دولةً يهودية. يبدو أنّ التنازل المطلوب منه هنا تحديدًا ليس على قدرٍ كبير من الأهمية، لكنّ عباس يبقى على عناده، ويبدو أنّ رفضه هذا هو إحدى العقبات الأبرز في جولة المفاوضات الأخيرة.

كما يبدو حاليًّا، رغم المساعي العديدة التي لا تكلّ، لن ينجح الأمريكيون في تمديد المفاوضات، وسيستمّر عباس في مخاطبة الشعب الفلسطيني بشكل أساسيّ.