"أبلغنا الأوروبيين أننا سنوقف التنسيق الأمني إذا استمرت إسرائيل في حجز أموال الضرائب"، كما قال مسؤولو السلطة الفلسطينية. قال وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، أمس إنّ السلطة تواجه الانهيار والتفكّك. وتحذر إسرائيل من آثار توقيف التنسيق، ولكن الآراء منقسمة في السلطة الفلسطينية. إذن فمن لديه مصلحة حقيقية للحفاظ على التنسيق؟

في السنوات الأخيرة، هناك في الضفة الغربية تنسيق أمني كامل، مهني وذو كفاءة بين الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية الفلسطينية. حتى الشاباك يُرسل للجهات الفلسطينية معلومات ذات صلة قد تساعد في الحفاظ على النظام والأمن.

وبطبيعة الحال فكلما كانت هناك مصالح مشتركة، فإنّ التنسيق بين إسرائيل والسلطة سيكون أفضل. قال ضابط إسرائيلي لموقع "المصدر" إنّه: "بشكل عام، عندما تكون حماس ذات قوة أكبر، فهناك مصالح مشتركة أكثر". ووفقا لنفس الضابط، فإنّ التعليمات من القيادة الفلسطينية ومن عباس، في السنة الماضية على الأقلّ، هي الحفاظ على الأوضاع هادئة بقدر الإمكان داخل الضفة الغربية.

الأجهزة الأمنية في السلطة الفلسطينية (HAZEM BADER / AFP)

الأجهزة الأمنية في السلطة الفلسطينية (HAZEM BADER / AFP)

بالتباين، فقد بذلت حماس، في السنة الماضية، كلّ جهودها من أجل تقويض النظام في الضفة كمحاولة لإثارة انتفاضة ثالثة، دون نجاح كبير. حاولت بذلك اصطياد بعض العصافير بحجر واحد: إثارة انتفاضة ضدّ إسرائيل، بالإضافة إلى إضعاف السلطة، ونقل مركز المواجهة إلى الضفة مع الحفاظ على الهدوء في غزة، ممّا سيسمح بإعادة إعمارها. ولكن التنسيق الجدّي بين الأجهزة الفلسطينية والقوى الأمنية الإسرائيلية، إلى جانب طموح سكان الضفة إلى نمط حياة آمن وهادئ، أديا إلى فشل محاولاته.

من الواضح إذن، أنّه في حال انهيار السلطة وتوقيف التنسيق الأمني، فستكون حماس هي الرابح الأكبر. بل إنّ أعضاءها يدعمون ذلك علنًا. شارك أحد مسؤولي حماس، صلاح البردويل، في صفحته على الفيس بوك تهديد السلطة بوقف التنسيق وكتب: "معهم حق... هل يريد اليهود أن يظلّ الشباب يطاردون أبناء شعبهم ويسلمونهم للاحتلال ويبلغونه عن مواقع وأهداف المقاومة ويقتلون أطفال غزة مجانا؟؟!!"

بالتباين، يبدو أنّ هناك مصالح مشتركة في إسرائيل من قبل طرفي الخارطة السياسية: يطمح اليسار إلى الحفاظ المستمر على الهدوء بقدر الإمكان، مع تحقيق اتفاق أوسلو والتعاون، وإنْ لم يكن على المستوى السياسي فعلى الأرض في الميدان. أما اليمين فهو لا يرغب بحالة الفوضى، التي قد تؤدي إلى إيجاد أصوات في إسرائيل تدعو لفكّ الارتباط مع السلطة، ولكنه يرغب بالحفاظ على الوضع الراهن، الذي هو بشكل أو بآخر سيطرة إسرائيلية كاملة أكثر في مناطق "ج"، والحفاظ على الهدوء مع التنسيق في مناطق "أ" و "ب". حتى لو أدى التدهور الأمني في الضفة ربّما إلى تعزيز ما لليمين في الانتخابات القريبة، فلا يزال الواقعون تحت الخطر الفوري من ذلك هم بشكل أساسيّ المستوطِنون، مؤيّدو اليمين.

"التنسيق الجدّي بين الأجهزة الفلسطينية والقوى الأمنية الإسرائيلية أدى إلى فشل محاولات حماسلإثارة انتفاضة ثالثة"

في فتح الحالة مشابهة جدّا. إنّ مصالح عباس في الحفاظ على التنسيق الأمني مضاعفة. من جهة، فالأمر يساعده على كبح جماح حماس ومنع تعزّزها في الضفة، أو ألطف من ذلك: منع سيطرتها على مراكز القوة. بالإضافة إلى ذلك، فالأمر يعطيه فسحة لمواصلة عمله بشكل أحاديّ الجانب مع الأمم المتحدة، وأن يُذكَر كدبلوماسي ناجح. بشكل أساسيّ، فهو لا يستطيع السماح لنفسه بأن يكون الشخص الذي انهارت السلطة في فترة تولّيه. وباعتباره ماضيا لإنهاء مسيرته في الفترة القريبة، يبدو أنّ عباس يفكّر كيف يسجّل نفسه على صفحات التاريخ الفلسطيني.

أما الأجهزة نفسها فهي تقع في المنتصف. من جهة، فهي تحظى بمكانة واعتراف لدى السلطة لكونها تؤدّي عملها بشكل جيّد. فهي تتجوّل في الأحياء مع زيّها الرسمي وسلاحها، وتتمتع بهيبة رجال السلطة. ومن جهة أخرى، فمنذ أكثر من شهرين لا يحصلون على الرواتب، ولذا سيكون من الصعب الحفاظ على ولائهم على مدى طويل. ومع ذلك، إذا انهارت السلطة فسيجدون أنفسهم دون عمل، وسيفقدون كلّ أمل في الحصول على المال الذي يستحقّونه. ولذا من الصعب التصديق بأنّهم يرغبون بانهيار السلطة.

بينما تحاول حماس نشر رسالة بأنّ التنسيق مع إسرائيل يعتبر مثل التعاون مع العدوّ، يبدو أنّ الأمر في فتح هو ضريبة كلامية فحسب، وتهدف التهديدات بإيقاف التنسيق بشكل أساسي إلى تفعيل ضغوط سياسية على إسرائيل والولايات المتحدة، لتقوم بكل ما تستطيع من أجل منع اندلاع الانتفاضة الثالثة في الضفة.