أصبحت الزيارة الجماعية لقبور الصدّيقين في إسرائيل إحدى الظواهر المذهلة في المجتمَع الإسرائيلي في السنوات الأخيرة. وبدأت الظاهرة التي كانت مخفيّة على مرّ الأجيال، وكانت تقتصر على قلّة فقط، تجذب عشرات آلاف اليهود كلّ شهر. ففي كلّ يوم، يقف العديد من الحافلات قرب قبور الحاخامات، ويزور عشرات الأشخاص القبور، يلامسونها، يصلّون، ويطلبون من الصدّيق إحداث معجزة في حياتهم.

يطلب معظم المؤمنين من الصدّيق تدخّلا عجيبا لكسب الرزق والحبّ. يُعتبر بعض الصدّيقين ذوي قدرة خاصة في مجال معيّن. فعلى سبيل المثال، يعتبر ضريح الصدّيق يوناتان بن عوزيئل مَحَجًّا للعازبات اللواتي يسعينَ للتعرّف على زوج جيّد، وللنساء العقيمات غير القادرات على أن يصبحن حوامل. بينما يُعتبر ضريح الرمبام (موسى بن ميمون) في حيفا تعويذة للعلاج. نموذج آخر على ذلك هو قبر الحاخام مئير "صاحب المعجزة" الذي يُعتبر خبيرا في العثور على المفقودات.

واليوم، أصبحت الشبكة العنكبوتيّة الإسرائيلية مليئة بالمعجزات والأعاجيب حول عقيمات حمَلنَ في أعقاب زيارتهن إلى قبر الصدّيق، قصص عن فقراء يعيشون فقرًا مدقعًا وقد جدوا عملا، وعن مرضى يعانون من مرض لا علاج له ولم يتمكّن أي طبيب من إنقاذهم، ولكنهم أُنقِذوا من المرض بعد زيارة قبر الصدّيق.

 

قبر الحاخام شمعون بار يوخاي (Serge Attal/Flash90)

قبر الحاخام شمعون بار يوخاي (Serge Attal/Flash90)

وإلى جانب قبور الأشخاص الذين اعتُبروا صدّيقين تاريخيين مثل أمنا راحيل من عهد الكتاب المقدّس، أو الرمبام (موسى بن ميمون) من القرون الوسطى، هناك من يزور قبور حاخامات من العصور الأخيرة مثل الحاخام يسرائيل أبو حصيرة الذي سُمّي بابا صلي.

كيف تتّسق هذه الظاهرة مع مبادئ الديانة اليهودية؟ ترفض اليهودية عبادة الأموات، ورغم ذلك تطوّرت عبادة قبور الصدّيقين على مرّ الأجيال. ففي الأساس تعتبر اليهودية الميّت نجسا، وتُلزم كل من يزور المقبرة بالتطهّر بعد زيارتها.

الصلاة في قبر الحاخام شمعون بار يوخاي (Yaakov Naumi/Flash90)

الصلاة في قبر الحاخام شمعون بار يوخاي (Yaakov Naumi/Flash90)

ومع ذلك، فقد أجاز العديد من الفلاسفة اليهود مثل الحاخام يوسف ألبو عبادة قبور الصدّيقين، موضحا أنّ عِظام الصدّيق هي بمثابة مسكن لروح الله في حياة الصدّيق، ولذلك تكون عِظامه أقرب إلى الله بعد وفاته أيضا.

ولا يزال الكثير من اليهود على مرّ الأجيال يعارضون عبادة قبور الصدّيقين مدعين أنّها عبادة أموات وتتحوّل في الكثير من الأحيان إلى وثنية حقيقية. ولا تُجيز العقيدة اليهودية في الأساس وجود قوى إلهية سوى الله نفسه ووحده، ومن ثمّ فمن ينسبُ لصدّيق معين أو لغيره، سواء كان بشرًا بلحمٍ ودم، صفاتِ الله فهو آثم.

قبر النبي صموئيل (Abir Sultan/Flash 90)

قبر النبي صموئيل (Abir Sultan/Flash 90)

وأبعد من ذلك، يشير معارضو عبادة الصدّيقين إلى أنّ الكثير من أولئك الذين يزورون القبور آملين تحقيق معجزة هم ليسوا يهودا محافظين على التعاليم الدينية. يعتقد اليهود الذين لا يحرصون على حفظ حرمة يوم السبت، أو على تناول الأطعمة الموافقة للشريعة اليهودية أو الصلوات، أنّهم فقط إذا زاروا قبر الصدّيق فسيحظونَ بمعجزة.

وعلى مرّ السنين أصبحت زيارة قبور الصدّيقين مجالا اقتصاديا مزدهرا بحدّ ذاته. إذ يقف خارج كلّ قبر المتسوّلون، المدمنون على تناول الكحول والتجّار الذين يحاولون كسب المال من آلاف المؤمنين الآملين بحدوث معجزة.

وأيّا كان الأمر، فإنّ الانتقادات لا توقف ظاهرة زيارة آلاف المؤمنين إلى قبور الصدّيقين دون انقطاع. وسواءً كان الأمر موافقًا للتعاليم اليهودية أم لا، فقد أصبحت قبور الصدّيقين جزءًا من الاعتقاد اليهودي في إسرائيل.