أعترف بأنّني عندما سمعت للمرة الأولى قصة الدكتور عوفر غروزبارد، وهو عالم نفس إسرائيلي متخصّص في علم النفس السريري، لم أعرف ما يمكن توقّعه. في بداية المحادثة، تبدو القصة مثل الخيال. ولكن سرعان ما اتّضح لي بأنّ الرجل وعمله الكثير في مجال دراسة علم النفس الحديث في العلاقات بين الوالدين وأطفالهما، استنادا على آيات من القرآن، هو مجرّد جزء من مجموعة واسعة وعمل جديد وحديث حول الشرق الأوسط الذي يتغيّر سريعًا في الآونة الأخيرة.

في محادثة رائعة أجريتها مع الرجل، فهمت إلى أي مدى تُغيّر التصورات تجاربَ الكثيرين منّا في حياتهم اليومية. ظاهريّا بدأ اهتمام الدكتور غروزبارد بالقرآن حين كان يقدّم درسا روتينيّا لطلاب اللقب الثاني من البدو في علم النفس التطوري، في مكان ما في إسرائيل. حاول غروزبارد أن يفهم كيف يمكنه مساعدة الطلاب في معالجة حوادث يواجهونها في عملهم النفسي مع المجتمع البدوي. "توجّهت إليّ إحدى الطالبات، واسمها بشرى، وقالت لي في أحد الدروس: هل تعلم أنّ كلّ ما نتعلّمه هنا لا يفيد. كيف عليّ أن أردّ على والدين يتوجّهان إليّ بزعم أنّ "شيطانا سيطر على ابنهما". سألتها ماذا تعتقدين أنّه يمكن أن يساعدهما؟ لقد أجابت بشكل تلقائي تقريبا: القرآن. لم أقرأ بنفسي هذا الكتاب ولم أفهم عمّ تتحدّث".

الدكتور غروزبارد: "سرعان ما فهمت بأنّ القرآن يحوي الكثير جدّا من النصوص التربوية، تركيز رائع على العلاقات بين بني البشر، بين الأم وابنها، بين الجيران وبين الخصوم"

كانت المرة التالية التي التقى فيها الدكتور غروزبارد مع طلابه بعد أن اقتنى نسخة من القرآن مع ترجمة باللغة العبرية وبدأ بقراءتها. "سرعان ما فهمت بأنّ القرآن يحوي الكثير جدّا من النصوص التربوية، تركيز رائع على العلاقات بين بني البشر، بين الأم وابنها، بين الجيران وبين الخصوم. استطعت بالاستعانة بالترجمة العبرية أن أستخرج بضعة آيات وطلبت من الطلاب كتابة قصة تلائم الآية، قصة من الحياة اليومية لمرضاهم. كانت النتيجة مثيرة للإعجاب حيث تلقّيت أكثر من 300 قصة حقيقية ومثيرة. تفسيرات نفسية تستند إلى تلك الآيات. تطوّر الأمر سريعًا جدّا للبحث عن آيات أخرى وتحليلها. في وقت لاحق طلبنا موافقة أربعة شيوخ محليّين وتحوّل ذلك إلى كتاب "القرآن الكريم مرشد لتربية الأولاد".

ألم يكن هناك من عارض مطلقا فكرة أن يكون عالم نفس يهودي هو من يصدر مرشدا لتربية الأطفال؟

"سؤال جيّد. كان هناك الكثير ممّن عارضوا. هناك بعض المثقّفين من جامعة الأزهر الذين عارضوا الكتاب والكلام الذي جاء فيه. أثار الكتاب عاصفة كبيرة وانقضّت وسائل إعلامية من جميع أنحاء العالم على القصة. تقديري أنّ من حرصوا على انتقاد الكتاب وعملنا المتأخر في موقع "قرآنت"  لم يكلفوا أنفسهم عناء قراءة القضايا التي قمنا بتحليلها".

من بين جميع القضايا التي تُشغل عالم علم النفس وعالم الإسلام، لماذا اخترتم التركيز تحديدًا على الجانب النفسي للتربية في الإسلام؟

"إنّ الاكتشاف الأكثر إثارة والذي وجدناه هو أن العديد من التحليلات النفسية الحديثة تتلاءم مع نصوص قرآنية كثيرة"

"اتضح أن الطلاب قاموا بعمل تمهيدي وبحثوا بأنفسهم في الموضوع ولم يجدوا تحليلات معاصرة في العالم العربي عن تصورات تربوية ونفسية حديثة في القرآن. كانت الدراسات في هذا المجال قليلة. إنّ الاكتشاف الأكثر إثارة والذي وجدناه هو أن العديد من التحليلات النفسية الحديثة تتلاءم مع نصوص قرآنية كثيرة والتي كانت موجودة منذ مئات السنين قبل ذلك، أي قبل الاشتغال بها في علم النفس الحديث".

رابط لموقع الدكتور عوفر غروزبارد: ‏http://ofer-grosbard.com/en‏/

كان السؤال التالي الذي وجّهته للدكتور غروزبارد هو سؤال خشيت في البداية من طرحه وخصوصا بعد فترة طويلة تمّ فيها تشويه معادلة "الإسلام هو الحلّ"، واتخذت ما لا يُحصى من التفسيرات السياسية التحريضية وغير الدقيقة. ومع ذلك سألته.

هل تعتقد أنّ الإسلام يحمل حلولا لمشاكل في المجتمعات الإسلامية - العربية؟ مثل التطرّف الديني الذي نعايشه في السنتَين الماضيتَين؟

"تبذل النصوص القرآنية طاقات كبيرة لتحسين مكانة الإنسان وانخراطه في المجتمع الذي ينشط به، لتطوير وتقدّم الإنسانية"

"أعتقد أنّه بالتأكيد نعم. مرة أخرى، لم أقرأ القرآن مطلقا قبل الحادثة وتجربتي هي مع طلابي العرب الذين التقيت بهم في علم النفس السريري. من خلال قراءتي وتحليل القرآن لم آخذ انطباعا عن التطرّف. على العكس، وجدت الكثير جدّا من الاهتمام بالمجتمع، بالعلاقات بين البشر. تبذل النصوص القرآنية طاقات كبيرة لتحسين مكانة الإنسان وانخراطه في المجتمع الذي ينشط به، لتطوير وتقدّم الإنسانية. إحدى الآيات المثيرة للإعجاب هي: "وإنْ جنحوا للسّلم فاجنح لها وتوكل على الله إنّه هو السميع العليم"، وهي آية مثيرة للإعجاب من جوانب نفسية حديثة تهتمّ بالاحترام، وبجوانب الثقة بالناس، وبتشجيع الأعمال الصالحة".

ما الذي لا يفهمه الغرب، في نهجه تجاه الشرق الأوسط وحربه الجديدة على التطرّف الديني؟

يؤكد الدكتور غروزبارد على أنّ التطرّف الديني موجود في جميع الأديان وهو يقدّم للمتطرّفين قوّة لا نهائية. "ينبغي على الناس فهم هذه المسألة. يمنح التطرّف المتطرّفين قوة سيطرة وأداة لإدارة حياة الآخرين. ينبغي على الأشخاص النقديين والمعتدلين أن يكونوا واعين وأن يسألوا أنفسهم لماذا يستخدم المتطرّف تعبيرات وتفسيرات متطرّفة للنصوص الدينية".

بالنسبة للدكتور غروزبارد، فإنّ الناس في الشرق عموما، وفي الشرق الأوسط خصوصا والناس في الغرب يفكّرون بطريقة مختلفة. إذا كانت "الأنا" تندرج في أعلى سلّم الأولويّات فإنّ "المجتمع" في الشرق هو الذي يحل في أعلى سلّم الأولويّات الاجتماعي.

إنه يجلب نماذج عديدة في كتابه "بابل: مرشد للالتقاء بين الشرق والغرب"، حول الاختلافات المعرفية بين الثقافتين.

"‎إنّ التركيز الغربيّ هو على الفرد، على ذاته وعلى ما يمكن أن يعطيه، مقابل المنظور الاجتماعي الشمولي للشرقيّ."

"النرجسية هو مصطلح ثقافي قديم يُستخدم كثيرا في علم النفس الحديث. النرجسي هو شخص غارق داخل نفسه، مشغول بذاته ولديه صعوبة في رؤية الآخرين وفهمهم. هكذا هم الغربيّون.‎ ‎إنّ التركيز الغربيّ هو على الفرد، على ذاته وعلى ما يمكن أن يعطيه، مقابل المنظور الاجتماعي الشمولي للشرقيّ. من المهمّ جدّا لدى الغربيّين أن يقولوا رأيهم. من المهمّ جدّا بالنسبة لهم أن يحقّقوا أنفسهم".

"ينظر العرب والمسلمون إلى أنفسهم، أولا وقبل كل شيء، كجزء من المجتمع وكجزء من التقاليد. أنا، وما أفكّر فيه وأريده، أقلّ أهمية من الأسرة، ومن العادات والتقاليد. أنظرُ إلى الخارج؛ إلى القواعد والعادات والمجتمع وأقل إلى داخل نفسي".

وإذا أردنا ترجمة ذلك في نظرة الغرب إلى الشرق، فعلى هذه النظرة أن تكون مختلفة ممّا هو معتاد اليوم. "لا يفهم الغربيّون مفهوم الشرف. وهو في الشرق القاعدة الأولى للسلوك بين بني البشر. دون شرف فإنّ الناس يُسحقون في الشرق الأوسط. لا يفهم سكان الشرق الأوسط مفهوم "الإعجاب بالنفس من الإنجازات الشخصية"، إنّهم أكثر تواضعا ويعتقدون أنّ الإنجازات هي بفضل ومن أجل الجميع. كذلك فلا يحبّ الشرقيّون الإعجاب بهم أكثر من اللازم. مفهوم الشراكة هو أفضل أحيانا، بحسب رأي الدكتور غروزبارد، من مفهوم التعاطف. الرضى مهم في الشرق حتى لو كان على حساب مقولة أنصاف الحقائق.

وما هو رأيك بشخصية النبي محمد؟

"نحن بطبيعة الحال نعلم عنه وفقا لما جاء في التراث والقرآن. أعتقد أنّه شخصية نجحت في إحداث ترتيب في الشرق الأوسط، وفي دفع الملايين، ووضعهم في مقدّمة التاريخ. لقد كان مليئا بالحنان والرحمة والحكمة، ممّا أقدّره جدّا. تركّز القيم التي حاول غرسها في العرب والمسلمين في العالم مرة أخرى على الجماعة والعلاقات بين الأفراد. وهو أمر لا يمكن أن نجده، على سبيل المثال، بمثل تلك الحماسة في التوراة.

بحسب تصوّر الدكتور غروزبارد فإنّ الولايات المتحدة والدول الغربية، التي تُجري في هذه الأيام المفاوضات مع إيران حول قضية السلاح النووي، خاسرون أمامها. "في مثل هذا النوع من المفاوضات يشغّل الجانب الإيراني علاقاته الاجتماعية، نحن نرى الرئيس الإيراني يومض بنصف ابتسامة هنا ونصف ابتسامة هناك. يستخدم الإيرانيون علاقاتهم وحكمة حياتهم للتلاعب. إنهم يعرفون كيف يتصرّفون داخل مجموعة. لدى الغرب ميزة في التفكير المنطقي التحليلي. تتركه هذه الحقيقة مكشوفا. على سبيل المثال، فإنّ المفاوضين الغربيين لا يفهمون كيف تدير إيران المفاوضات برأسين (مع الرئيس الإيراني من جهة ومع آية الله مع جهة أخرى). بالنسبة للغرب فلا يمكن تصوّر ذلك، ويستغلّ الإيرانيون الأمر".