شرع موقع صحيفة هآرتس الذي أصبح في شباط الماضي نموذجًا لموقع يُدفع فيه لقاء المحتويات، وخسر مذّاك أكثر من 100،000 متصفّح، في حملة استفزازية تهدف إلى إثارة ضجيج إعلامي، وإعادة جزء من القرّاء الذين غادروه. في فيلم الدعاية، يظهر زوجان يمارسان علاقات جنسية بطريقة واضحة جدًّا. ففيما تحاول زوجته تلبية حاجاته، يتحدث الرجل إلى الكاميرا، ويتذمر من أنّ الحياة مملة، غامضة، وتكرّر نفسها. وخلاصة القول هي: "الحياة ليست مثيرة للاهتمام مثل موقع هآرتس".

وقد حدث الصخب فعلا، والشبكة العنكبوتية ترغي وتزبد جرّاء الحملة. لكن يبدو أنّها لا تحقق الهدف الذي أرادت بلوغه، بل تثير الاحتقار أكثر من أي شيء آخر. ماذا قيل عن الحملة؟ إنّها تافهة، قديمة، هجومية، مخزية، يائسة، وبالأساس مذلة للصحيفة التي كانت تُعدّ حتى قبل فترة قصيرة ذات جودة، لبقة، وذكية.

وكُتب في أحد المواقع الشعبية أنّ "موقع هآرتس يستمر في التيهان في خليط حملات تهدف إلى زيادة انتشار المتصفحين الذين يدفعون المال... تؤدي الحملة الجديدة، دون شك، إلى ظهور موقع "هآرتس" في مظهر حيوان جريح يبذل قصارى جهده للبقاء على قيد الحياة". وكُتب في موقع آخر: "إنّها ليست مثيرة للاهتمام، يحرّكها فائض من التمييز الجنسي بمستوى مرتفع، والأسوأ أنها أنتجت بطريقة سيّئة".

ويبدو في مواقع التواصل الاجتماعي أيضًا أنّ الجميع رأى حملة هآرتس، أو على الأقل سمع عنها. حتى إنّ حملات ساخرة بدأت تظهر، حيث يغيّر الصوت الذي يخاطب الرجل الكلمات وينقل رسالة: "أنا أحب أن أفسد الدولة"، ويختتم بالشعار: "الحياة ليست معقّدة مثل موقع هآرتس".

ونشر مراسلو الصحيفة أنفسهم ردودًا غضبة على الإنترنت، ووقّعوا على عريضة لإزالة الحملة. "نحن، عاملي مجموعة "هآرتس"، نعترض بشدة على الإعلان الجديد الذي نُشر أمس. فقد اكتشفنا أنّ الصحيفة التي نفخر بها جدًّا اختارت أن تشهر نفسها عبر أحد أكثر الإعلانات جنسيّةً وتنفيرًا في الآونة الأخيرة. إعلان تحت ستار "الجرأة" وتوجه إلى جمهور شاب ينقل محتويات إباحية، والأسوأ من ذلك أنه يعقد مقارنة قذرة وهجومية بين المرأة والمنتج. نحن نخجل اليوم من العمل في الصحيفة التي تعرض، تحت غطاء المفارقة الساخرة والبراعة (المشكوك في جودتهما)، مرأة صامتة كسلعة جنسية".

مع ذلك، يبدو أن مطلقي الحملة يصمّون آذانهم عن النقد. ففي أحد ردودهم كُتب: "ما القصة الكبرى في أنّ امرأة ليست مركّزة؟ كان يهمّنا زعزعة المسلّمات: حتى الرجل، الذي "ليس لديه في رأسه سوى الجنس" - حسب المسلّمات - ينجذب أكثر لموقع هآرتس".

إذا كان الأمر كذلك، فيبدو أنّ الحملة ضررها أكثر من فائدتها. ليس أنها لم تزد من مبيعات المشتركين للموقع فحسب، بل مسّت أيضا بالسمعة الحسنة لصحيفة "هآرتس"، التي تصدر في إسرائيل منذ 1919. فقد عرضت الصحيفة تقليديًّا آراءً ليبرالية، وشكّلت "معارضة" وبديلًا لصحافة "التيار المركزي"، التي يعتبرها الكثيرون "صحافة صفراء" أو تافهة، وأحيانًا ممثّلة للسلطة. وتُحسَب الصحيفة أيضًا على اليسار في إسرائيل، وتدعم بوضوح محادثات السلام وإقامة دولة فلسطينية. وهي تُعتبر صحيفة ذات محتويات "رفيعة"، لا سيّما فيما يتعلّق بالثقافة والأدب، ويكتب بها كتّاب وصحفيون من الدرجة الأولى في إسرائيل. مع ذلك، تورّط الموقع مؤخرا في صعوبات اقتصادية. وكما ذُكر آنفًا، ابتدأ منذ شباط الماضي بإلزام القراء بالدفع لقاء القراءة في موقع الإنترنت، الذي يعرض جميع محتويات الصحيفة المكتوبة. أدّى الإجراء إلى الكثير من الانتقادات، وخفض بشكل كبير عدد قارئي الصحيفة، ما قادها كما يبدو إلى إجراء متطرف جدا، ألحق الأذى أكثر بالصحيفة في نهاية الأمر.