شكلت العلاقة بين ألمانيا النازية وبين الحركة الوطنية الفلسطينية في الثلاثينيات من القرن العشرين موضوعًا للدراسة العميقة والقديمة على مدى أكثر من 80 عاما، ولكن هذه المرة يبدو أنّ الانشغال بالموضوع قد انقلب بشكل استثنائي. إن كلام رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، أمس حول هذا الموضوع هو استثنائي تماما مقارنة بكل ما قيل حول هذا الموضوع حتّى الآن.

وهذا ما قاله نتنياهو أمس في خطابه باللغة الإنجليزية أمام المؤتمر الصهيوني، عندما تحدث عن العلاقة واللقاء بين المفتي الفلسطيني الحاج أمين الحسيني وبين زعيم ألمانيا النازية، أدولف هتلر: "في عهده، لم يكن هتلر يرغب بإبادة اليهود. لقد أراد طرد اليهود، والحاج أمين الحسيني ذهب إلى هتلر وقال له: "إذا طردتهم سيأتوا جميعا إلى هنا. "إذا فما الذي نفعله معهم"؟ سأل هتلر. "احرقهم"، أجاب المفتي".

أثار كلام نتنياهو عاصفة في إسرائيل، بسبب الاستنتاج النابع من كلامه أنّ الحاج أمين الحسيني هو المسؤول عن قتل اليهود من قبل النازيين. في الحقيقة، يمكن الإثبات بسهولة أنّ كلام نتنياهو غير صحيح لأنّه رغم أنّ الحسيني كان حليفا لهتلر، فقد بدأ النازيون بقتل اليهود قبل زمن طويل من اللقاء بين الاثنين.

الحاج أمين الحسيني في زيارة إلى الفيلق العربي الحرّ، الوحدة العربية التي عملت في إطار الجيش الألماني. برلين، 1942

الحاج أمين الحسيني في زيارة إلى الفيلق العربي الحرّ، الوحدة العربية التي عملت في إطار الجيش الألماني. برلين، 1942

جرى لقاء الحاج أمين الحسيني بهتلر في شهر تشرين الثاني عام 1941، عندما كانت إبادة الشعب اليهودي في الواقع في ذروتها. ولكن تقريرا لوحدة الإبادة الألمانية يثبت أنّه منذ شهر أيلول في نفس العام أطلق النازيون النار على عشرات آلاف اليهود في حفرة قتل في بابي يار في أوكرانيا المحتلة. دُعي اليهود للوقوف على حواف الحفرة العميقة بمجموعات، وأطلق الجنود الألمان عليهم النار وهم يسقطون جثثهم إلى داخلها.

هاجم العديد من الإعلاميين في إسرائيل نتنياهو اليوم بسبب كلامه غير الدقيق، والذي يربط بطريقة مصطنعة الأيديولوجية الفلسطينية حول قتل اليهود من قبل الألمان في أيام الحرب العالمية الثانية.

كتبت عضو الكنيست زهافا غلؤون، وهي ابنة لأسرة من الناجين من الهولوكوست من أوروبا الشرقية، صباح اليوم كلاما غاضبا ضدّ نتنياهو في صفحتها على الفيس بوك: "هذا الكلام هو اقتباس حقيقي تماما لأقوال رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من فوق منصّة المؤتمر الصهيوني. شاهدوا ولن تصدّقوا".

الاف القتلى اليهود في بابي يار، أوكرينا (Wikipedia)

الاف القتلى اليهود في بابي يار، أوكرينا (Wikipedia)

وأضافت غلؤون ساخرة: "ربما كان من المفضل أن نخرج من القبر 33,771 من اليهود الذين قُتلوا في بابي يار في أيلول عام 1941، قبل شهرين من لقاء المفتي بهتلر أساسا، وإخبارهم بأنّ النازيين لم يكونوا ينوون إبادتهم أبدا. ربما يقول نتنياهو ذلك لأقربائي من ليتوانيا الذين قُتلوا من قبل النازيين مع مائتي ألف من أبناء الجالية اليهودية هناك، أيضًا قبل أن يلتقي المفتي وهتلر".

وأضافت: "إلى أي مستوى من الفساد ينحدر هذا الرجل. كم يهيننا كشعب وكيف سيجرّ وراءه في الوحل ذكرى الفظائع التي اقترفها النازيون ومعاونوهم ضدّ الشعب اليهودي. أنا أخجل من أجلك سيدي رئيس الحكومة".