رغم الركود في القيادة الفلسطينية، فإن الصراع على السلطة لا ينتظر حتى اليوم الذي يلي محمود عباس وقد بدأ في الواقع من وراء الكواليس. إلا أن امتناع أبي مازن عن ترك وريث سياسي خلفه هو أمر مؤكد، ويتعلق أيضًا بكلا نجليه، وكلاهما شخصيتان موهوبتان وكاريزمتيان، ولكن احتمال أن يجدا نفسيهما في موقف القيادة في السلطة الفلسطينية منخفض للغاية.

من المعروف أن لدى أبي مازن ثلاثة أبناء: ابنه البكر مازن الذي تُوفي واثنان آخران هما طارق وياسر.

عائلة الرئيس الفلسطيني محمود عباس (AFP)

عائلة الرئيس الفلسطيني محمود عباس (AFP)

قال مصدر مشارك في دهاليز السياسة الفلسطينية لهيئة تحرير "المصدر" إنّ العلاقات بين ياسر ووالده ليست في أحسن الأحوال: "لقد حاول أن يقوم بالضبط بما حاول جمال مبارك القيام به من وراء ظهر والده، حسني مبارك، من أجل بناء إمبراطورية اقتصادية لنفسه"، كما قال المصدر، "ولم يحبُّ والده ذلك".

ويُركّز ياسر اليوم بشكل أساسيّ على بناء إمبراطوريته الاقتصادية في دول الخليج، ترتكز هذه الإمبراطورية الاقتصادية على العمل في مجال الاتصالات، الحواسيب والبنى التحتية، التي بدأ والده بتطويرها حتى قبل التوقيع على اتفاقات أوسلو. في الواقع، يدير ياسر اليوم أعمال الأسرة التي وضع لها والده وشقيقه البنية التحتيّة في وقت ما في الثمانينيات في الدول العربية. ياسر اليوم هو رجل أعمال في مختلف أنحاء العالم، ولا يُشغله ما يحدث في الشؤون الإسرائيلية والفلسطينية أو صراعات القوى التي تجري اليوم في السلطة الفلسطينية.

بخلاف شقيقه، فإنّ طارق مرتبط جدا بالواقع الفلسطيني وفقا لوالده أيضًا. لا شك أنّه ثري جدا ولكنه من جهة أخرى شعبيّ جدّا. "يمكنك الذهاب إلى أي مقهى عادي جدا في رام الله وأن تراه جالسا، يدخّن السيجار ويتحدّث مع معارفه وأصدقائه"، كما قال المصدر. إنه يحاول ألا ينجر إلى الفضائح في المجال الذي ينزعج الفلسطينيون منه جدّا، الذين يعتمد اقتصادهم على المساعدات الخارجية؛ وهو مجال الفساد. ومع ذلك، لا شكّ أن المنظمات الدولية المختلفة تعلم بأنّك لو أردت تعزيز مشروع اقتصادي أو اجتماعي في الضفة ينبغي ومن المجدي والأسهل التوجه إلى الشخص المناسب والذي هو بالصدفة أيضًا نجل رئيس السلطة الفلسطينية. شركة SKY التي بملكيته، هي شركة الإعلان، الاستشارة والتسويق الأكبر في فلسطين اليوم.

كما وقيل إنّ لدى طارق أيضًا علاقات حميمية جدا مع والده، والذي يعيش معه في نفس المنزل. ويقول مقرّبون إنّهما يتشاوران مع بعضهما البعض بانتظام، وإنّ أبي مازن يعتمد جدّا على رأيه في كلّ ما يتعلق بالساحة الفلسطينية، حيث يتركز جلّ اهتمامه في الشؤون الخارجية.

محمد دحلان (AFP)

محمد دحلان (AFP)

المرشّح الأكثر بروزا اليوم من بين آخرين هو محمد دحلان، وأبو مازن قلق جدا منه لأنّ دحلان هو المنافس منذ فترة طويلة والذي خسر غزة لصالح أجهزة حماس الأمنية.

جرى حدث كبير جدا قبل بضعة أسابيع، عندما فازت حماس في الانتخابات في جامعة بير زيت. كان ذلك بالنسبة لأبي مازن حدثا جسيما ومغيّرا للمسار. كانت أسباب فوز أعضاء حماس في معقل فتح ومعقل العلمانية متنوعة: وضع أبو مازن كل ثقته في السؤال الدولي للدولة الفلسطينية المستقبلية ولم يتابع ويرعى ما يحدث على أرض الواقع جيّدا. من جهة أخرى تبدو السلطة الفلسطينية كنظام فاسد. نجحت حماس بهدوء في تأسيس بُنيتها التحتية الاجتماعية. تُحوّل حماس الكثير من الأموال إلى داخل مدن الضفة الغربية بواسطة جمعيات المساعدة الإسلامية التابعة لها. وقد عرفت حماس أيضًا كيف تستخدم المال الكثير المتدفّق إلى الضفة لصالح حملتها الانتخابية في جامعة بير زيت. في الواقع فقد كان من المدهش أن نرى فتيات شقراوات مع فانلّة على جسدهنّ يرفعن أعلام حركة حماس الخضراء. وقد أوضحت حماس من ناحيتها: إن كنتم ضدّ الفساد فأنتم ضدّ فتح، وفي الواقع أنتم مع حماس، لا يهمّ كيف وإلى أية طبقة اجتماعية فلسطينية تنتمون. بنت حماس مخططا ذكيا: السلطة = الفساد. "بالمناسبة فأنا أزعم بأنّ نفس الأمر كان سيحدث في غزة: كانت فتح ستفوز على حماس في الانتخابات في غزة، لأنّ الغزّيّين يجدون الفساد أكثر فأكثر في صفوف حماس"، كما قال المصدر لموقع "المصدر".

إذا تجوّلنا اليوم في الشارع الفلسطيني، ما هو الشعور العام؟

الوضع الإقتصادي الفلسطيني سيء (AFP)

الوضع الإقتصادي الفلسطيني سيء (AFP)

"اللامبالاة"، أجاب المصدر بشكل تلقائي تقريبا وأضاف: "لا يهم الفلسطينيين اليوم حقّا إذا كانت هناك دولة فلسطينية أم لا. الموضوع الرئيسي هو الحياة اليومية والشؤون الاقتصادية. يستيقظ الفلسطيني كل صباح ويرى أن هناك المزيد والمزيد من البناء في المستوطنات ويجد صعوبة في كسب رزقه. الهاجس الأول لدى الفلسطيني العادي هو الرغبة في العيش بكرامة، والوضع الاقتصادي لا يساعده كثيرا. يدرك الفلسطينيون بأنّ أحداث الربيع العربي وداعش قد أثرت سلبيًّا على القضية الفلسطينية. عندما يبدأ الفلسطيني بالربط بين حالته الاقتصادية الكئيبة وانعدام الأفق السياسي، فسيبدأ الأمر بفقدان السيطرة. في غضون ذلك فنحن لسنا هناك بعد. أبو مازن، بالمناسبة، لا يرغب في تأجج الوضع لأنّه يعلم أنّ الرابح من هذا التأجج سيكون خصماه، حماس ودحلان.