يستمر الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني على مواضيع مثل حقّ تقرير المصير، الأرض، الموارد الطبيعية، الأماكن المقدسة، والأمن. ويعكس الطرفان أهدافًا ومصالح متعارضة في مجالات مختلفة بحاجة إلى المعالجة لدى حلّ النزاع.

وتجري المحافظة على هذا الصراع أيضًا بواسطة القصص الفلسطينية والإسرائيلية المنتقلة على مدى سنوات عديدة بقنوات اتصال متنوعة ومؤسسات متعدّدة، بما فيها النظام التربوي. مع ذلك، فإنّ هذه الحكايات الجماعية غالبًا ما تترك حيّزًا صغيرًا للإقرار بالماضي التاريخي، الحضارة، والطموحات المستقبلية للجماعة الأخرى. وقد جرت محاولات واضحة لمعالجة هذه القضايا، لا سيّما بعد توقيع اتّفاقات أوسلو عام 1993.

فالمادة الثانية والعشرون، تحت البند 4 من اتفاقية طابا (أوسلو 2، الموقعة عام 1995) تقول إنّ على الطرفَين "الامتناع عن التحريض، بما فيه الدعاية العدائية ضد بعضهما البعض ... أن تساهم الأنظمة التعليمية الخاصة بهما في السلام بين إسرائيل والشعب الفلسطيني، والسلام في المنطقة عامة. وسوف يمتنعان عن التقدم بأية مواضيع يمكن أن تؤثر بشكل عكسي على مسيرة المصالحة".

فلسطينيون يزورون معرض الكتاب العربي (Flash90/Issam Rimawi)

فلسطينيون يزورون معرض الكتاب العربي (Flash90/Issam Rimawi)

حلّلت دراستنا صورة الجانب الآخر والصراع عامّةً التي تظهر في الكتب المدرسية في الأنظمة التعليمية الإسرائيلية والفلسطينية. وقد جرى تقييم جميع الكتب التي صادقت عليها وزارتا التربية في البلدَين حتى عام 2011. كانت الكتب الإسرائيلية من المنشورات الحكومية العلمانية والدينية وكذلك من المدارس الدينية الأرثوذكسية المتشددة (111 كتابًا). بالمجموع، جرت دراسة 492 كتابًا مدرسيًّا إسرائيليًّا و148 كتابًا فلسطينيًّا. وكانت جميع الكتب الفلسطينية تقريبًا من الكتب الدراسية لوزارة التربية، لكنّ عددًا صغيرًا من كتب المدارس الدينية المستقلة (الشريعة) جرى شمله حين كان ذا صلة بمواضيع الدراسة. أنتج الإسرائيليون كتبهم المدرسية الخاصة منذ أكثر من 60 سنة، وقد مرّت هذه الكتب بدورات متكررة من المراجعة والتنقيح. أمّا الفلسطينيون فبدأوا بإنتاج كتبهم الخاصة للمرة الأولى عام 2000، وأكملوا المجموعة الكاملة لكتب الصفوف الأول – الثاني عشر عام 2006 فقط. كثير من الكتب هي الآن في طبعتها الثانية أو الثالثة.

طوّر فريق بحث إسرائيلي – فلسطيني مشترَك منهج بحث معياريًّا، يدويًّا، ومتعدد المقيِّمين لزيادة الموضوعية إلى أقصى حدّ ممكن. أدخل مساعدو البحث تقييماتهم في الفئات المحدّدة مسبقًا من مواقع عملهم عبر الإنترنت مباشرةً إلى قاعدة بيانات تُدار في جامعة ييل (Yale) عبر فريق تحليل البيانات. وإضافةً إلى ذلك، جرى تحليل مجموعة فرعيّة من الكُتب بشكل مستقل عبر مقيِّمَين للسماح بتقيين ذي مصداقية لأكثر من مقيِّم واحد. في النهاية، جرى تطوير قاعدة البيانات وكامل النظام لهذا المشروع عبر American IT Solutions.

إليكم سبع نتائج أساسية للدراسة:

أوّلًا: "شيطنة" الشخصيات الروائية للآخر وتجريدها من إنسانيتها في الكتب الدراسية عامّةً وفيما يتعلق بالرأي العام نادران في الكتب الإسرائيلية والفلسطينية على السواء.

صورة لصفحة من كتاب في نظام التعليم الفلسطيني

صورة لصفحة من كتاب في نظام التعليم الفلسطيني

ثانيا، تعرض الكتب الإسرائيلية والفلسطينية على السواء روايات وطنية أحادية الجانب حصرًا تصوّر الآخر كعدوّ، تؤرِّخ لأعمال الآخر الموجّهة ضدّ المجتمع الوطني، وتعرض المجتمع الذاتي بتعابير وأعمال إيجابية تهدف إلى حماية الذات وتحقيق السلام. الأحداث التاريخية، رغم أنها ليست خاطئة أو مختلَقة، معروضة بانتقائية لتدعم رواية المجتمع القومية.

ثالثًا: ثمة نقص في المعلومات عن الأديان، الحضارة، والنشاطات الاقتصادية واليومية للآخر، أو حتى لوجود الآخر في الخرائط.

رابعًا: رغم كونها موجودة وإشكالية في جميع الأنظمة المدرسية الثلاثة، فإنّ التحامل السلبي في تقديم الآخر، التعصّب في عرض الذات، وغياب الصور والمعلومات عن الآخر يعبَّر عنها بشكل أكبر بكثير إحصائيًّا في الكتب الإسرائيلية الأرثوذكسية المتشددة والكتب الفلسطينية أكثر من الكتب الحكومية الإسرائيلية. وبين مسارَي المدارس الحكومية الإسرائيلية، فإنّ عرض النقد الذاتي حاضر أكثر بكثير في كتب المدارس العلمانية من كتب المدارس الدينيّة؛ أمّا كتب المسار الديني فكانت متشابهة في عرضها للمجتمع الذاتي مع الكتب الإسرائيلية الأرثوذكسية المتشددة والكتب الفلسطينية.

خامسًا: معظم الخرائط في الكتب المدرسية لكلا الجانبَين لا تظهر الجانب الآخر أو تعترف بالحدود. معظم الخرائط في الكتب الأرثوذكسية المتشددة تسمّي الضفة الغربية "يهوذا والسامرة" (اسمان من فترة الكتاب المقدّس).

سادسًا: معظم الكتب الدراسية لكلا الجانبَين تقدّر التضحية بالحياة دفاعًا عن الوطن وتعرب عن التبجيل لأبطال الشعب.

سابعًا: الصور والرسوم التوضيحية القليلة في الكتب الدراسية لكلا الجانبَين لا تظهر الكثير من الآراء النمطية.

صورة لصفحة من كتاب في نظام التعليم الإسرائيلي

صورة لصفحة من كتاب في نظام التعليم الإسرائيلي

هذه اللمحة العامة عن صُوَر "الآخر" هي نموذجية للكتب المدرسية للمجتمعات المتصارِعة. كل مجتمع يخلق رواية وطنية مؤسسة على أوصاف متكرّرة للآخر وأعماله بتعابير سلبيّة، ساردةً أحداثًا تاريخية من وجهة نظر النضال الشرعي لحماية الذات المرتبط بتهديد الفناء أو السيطرة من الجانب الآخر، في ظلّ غياب معلومات تعطي شرعية للوجود وتخلع على الآخر صفات إنسانية. هذه الروايات هي عقبات في طريق السلام إذ تزرع الخوف، انعدام الثقة، سوء التفاهم، وتجريد الآخر من الإنسانية.

يوصى بأن تنشئ كل من وزارتَي التربية الإسرائيلية والفلسطينية لجنة من طاقم الوزارة وخبراء في المجتمع لمراجعة الكتب الحالية والمستقبلية على ضوء نتائج الدراسة، وتحضير خطة عمل لتيسير عملية صنع السلام.

وستكون خطوات أخرى ضرورية لتيسير عمليات مشابهة فيما يتعلق بكتب المجتمعات الأرثوذكسية الإسرائيلية المتشددة. وسيجري تزويد الجهات المعنية بلائحة بخطوات ممكنة أكثر تفصيلًا من أجل دراستها.

 

هذا التحليل المثير هو لكتاب أكاديميين عاملين في موقع "Can Think"، ومختصون في شؤون الشرق الأوسط. ونضيف أن الموقع "Can Think" هو مشروع مستقل، لا يمت بصلة إلى أي جهة سياسية أو اقتصادية، ويعمل بموجب نموذج اشتراكي. الكُتاب والعاملون في الصحيفة هم أكاديميون، يقدمون تحليلات موضوعية من منظور بحثي.