اسم "أبو عبيدة" معروف لكلّ فلسطيني، وفي الأسابيع الأخيرة، لمعظم الإسرائيليين. إنّه لقب المتحدث الإعلامي باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام.أصبحت صورته المغطّاة بكوفية مشهدًا اعتياديًّا على شاشات التلفزيون لدى الإسرائيليين، الذين شاهدوه للمرة الأولى بعد اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2006.

وهو يُكثر من عقد المؤتمرات الصحفية، الحديث عن تقدّم القتال في غزة، إقامة مقابلات مع الإعلام العالمي، توزيع التطمينات والتهديدات ضدّ إسرائيل، كل ذلك وهو مغطى بكوفية تخفي وجهه تمامًا، ويُظهر فقط شقّا دقيقًا من وجهه وعينيه، والتي يقع فوقها شريط حركة حماس.

وكما ذكرنا فإنّ أبي عبيدة هو مجرّد لقب، ولم يُذكر في أي مكان الاسم الحقيقي للناطق. تعود كنية أبي عبيدة لأحد العشرة الأوائل من أصحاب النبيّ محمد والذين ضمِنوا مكانًا في الجنّة، وبعد وفاة النبيّ أصبح أبو عبيدة قائدًا عسكريًّا، وكان من المقرّبين من الخليفة عمر بن الخطّاب وحمل لقب "أمين الأمة".

باستثناء لقبه، فهو يحرص على الحفاظ على الغموض فيما يتعلّق بهويّته، ولا يكشف وجهه أبدًا. وهو يعمل كناطق باسم حماس منذ العام 2006، ولكن باستثناء هذا العمل، لا يُعرف أي شيء تقريبًا، مثل سنّه، عائلته وأصوله، وإنْ كان من المرجّح أنّه وُلد في غزة.

الناطق الرسمي باسم كتائب القسام، أبو عبيدة (لقطة شاشة)

الناطق الرسمي باسم كتائب القسام، أبو عبيدة (لقطة شاشة)

وفقًا للإعلام الفلسطيني، فأبو عبيدة هو أحد الأسماء الرائدة في قائمة اغتيالات الجيش الإسرائيلي، رغم أنّه في الواقع، فإنّ الأسماء التي تشكّل القائمة هي من صانعي القرار الأكبر، أسماء مثل رائد العطار، مروان عيسى، ممتاز درموش، أيمن صيام، وعلى رأسهم بطبيعة الحال محمد ضيف. أبو عبيدة هو مجرّد "مبعوث" ينقل رسائل جميع هؤلاء.

يُظهر البحث عن اسم أبي عبيدة في جوجل أكثر من 2.5 مليون نتيجة، وأيضًا ما يقارب 50 ألف مقطع فيديو في يوتيوب. تتشابه مقاطع الفيديو في طبيعتها: يظهر أبو عبيدة في معظمها ووراءه خلفية "تهديدية" أية كانت، نار أو قتال، وأحيانًا يكون مصحوبًا بالمسلّحين، مقنّعين الوجوه هم أيضًا، وبعد الافتتاح المكوّن دائمًا تقريبًا من تلاوة آيات من القرآن يبدأ أبو عبيدة بصوته المعروف، دائمًا بقوله "بسم الله"، ودائمًا مع نفس الكوفية المعروفة.

بخلاف معظم الناطقين، في الإعلام عمومًا وفي العالم الفلسطيني خصوصًا، فإنّ أبا عبيدة لا يلتزم بقواعد "اللياقة السياسية". تمكّنه هويّته المخفية من توزيع التهديد والإخافة، ويوفر عليه انتماؤه للجناح العسكري لحماس، المعروف في العالم كتنظيم إرهابي، أية حاجة للاعتذار عن تصريحاته أو رسم واقع إنساني. هدفه الأساسي هو الإخافة. بالنسبة له فإنّ المزيد من القتل والدمار في الجانب اليهودي سيكون أفضل. وبينما يكون دور معظم الناطقين هو تمثيل تنظيمهم بشكل يجلب شرعية عالمية، فإنّ دور أبي عبيدة هو بشكل أساسيّ الحرب النفسيّة ضدّ إسرائيل، ومراكَمة التعاطف والتأييد لحماس عند الفلسطينيين، مع زيادة كراهية إسرائيل.

على سبيل المثال، فهو لا يخشى أن يُظهر للعالم بأنّه قد "أعادت الصناعات العسكرية للقسّام ربع مليون قنبلة يدوية ستكون بين أيادي فتيان شعبنا ليرجموا فيها جنود الاحتلال"، أو أن يبثّ صورًا لأطفال بملابس شهداء كشيء إيجابي، بينما هي تثير الصدمة في كلّ مكان آخر في العالم.  وهو يقوم بكلّ ذلك بلغة عربية طليقة بشكل ملحوظ، وبالكثير من الكاريزما، التي تنجح في تجاوز الكوفية.

في مثل هذه الأيام، حيث الحرب بين الجيش الإسرائيلي وحماس في ذروتها، يتحوّل أبو عبيدة مجدّدًا إلى نجم. فهو يقيم المقابلات مجدّدًا في وسائل الإعلام العربية، يبثّ مقاطع الفيديو، يعقد المؤتمرات الصحفية التي يحرص فيها على إدانة إسرائيل، ويؤكّد على رفض وقف إطلاق النار أو أيّ تسوية من جانب حماس. يبدو أنّه في الأيام القريبة سنستمرّ في رؤيته على شاشات التلفزيون والحاسوب الخاصة بنا، حتى تنتهي العملية، ويعود ليغيب عن وعينا. ولكن حتى العملية التالية فقط سيظهر مجدّدًا، ويبدو تمامًا بنفس الشكل.