بالنظر إلى الشرق الأوسط في نهاية عام 2014، وإلى الصراعات التي تشغل كل بقعة فيه، يبرز بشار الأسد حالة خاصة في المنطقة. فبعد مرور 4 سنوات على ثورة صارت حربا أهلية ومن ثم حربا جهادية، يتساءل كثيرون كيف نجح الأسد حيث فشل غيره؟ وهل صموده في الحكم رغم تقلبات الشرق الأوسط يعود إلى حظ لم يحالف غيره من الحكام أم أنه أفلح بفضل حكمة سياسية في إطالة مدة حكمه؟

بعض الأسباب المذكورة في المقالة ليس جديدا، لكنه ما زال حاضرا وبقوة في المشهد السوري ومساهما في بقاء الأسد:

تسليط الضوء على الحرب ضد داعش

لو لم يظهر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام كان يجب على الأسد أن يخلقه. فبعد شوط طويل من حرب إعلامية حاول نظام الأسد خلالها أن يوضح أنه يحارب جماعات إرهابية ولا يقاتل شعبا يطالب بالحرية، دخل تنظيم الدولة على خط الحرب الأهلية في سوريا معززا ما يقوله الأسد، ومضعفا رواية الثورة السورية أن هنالك شعبا يتوق إلى الحرية ونظام شرس يقمعه.

فدخول المنظمات الجهادية، خاصة تلك المتطرفة على شاكلة تنظيم الدولة، أو داعش، خلط الأوراق وأدى إلى زيادة المخاوف لدى المجتمع الدولي أن الحالة السورية خاصة، وينبغي التروي قبل اتخاذ قرارات حاسمة، وهذا من حظ بشار الأسد، أن داعش ظهر فجأة وهو غارق حتى أذنيه في حرب ضروس، حيث بدأ الكلّ يسلط الضوء على تحركات داعش.

جنود سوريون في أسر داعش منقادون شبه عراة في محافظة الرقة (Twitter)

جنود سوريون في أسر داعش منقادون شبه عراة في محافظة الرقة (Twitter)

واليوم، بعد أن كان الجميع مهتمين بمجريات الثورة السورية وبحظوظ الأسد في البقاء وبوضع المعارضة السورية، انصرفت الأنظار إلى مشاهد قطع الرؤوس الذي يقوم بها تنظيم الدولة، وإلى القوانين الشرعية القاسية التي يفرضها التنظيم في مدينة الرقة الواقعة تحت سيطرته، فلو كان الأسد وداعش برنامجين تلفزيونين، فقد هزم داعش الأسد من حيث عدد المشاهدين، لكن على أرض الواقع الأسد هو الرابح، فبمرور الوقت هو باق، والمجتمع الدولي أصبح يخشى داعش وتقدمه، بدلا من التركيز على البراميل المتفجرة التي يلقيها الأسد على مناطق عديدة في سوريا ضد المعارضة.

موقف المجتمع الدولي من الأزمة

أبدى المجتمع الدولي منذ البداية ضعفا في اتخاذ موقف حازم في شأن الحرب الدائرة في سوريا. فقد انقسم المجتمع الدولي إلى فريقين، واحد يضم روسيا والصين، وآخر الولايات المتحدة ودول أوروبا، مما حوّل الصراع على الأرض إلى صراع بين الدول الكبرى، من جهة لا يمكنها أن تتخذ موقفا موحدا، ومن جهة أخرى كل يسعى إلى دفع مصالحه قدما في المنطقة.

سيارة المبعوث الخاص للأمم المتحدة في دمشق وخلفها صورة للرئيس السوري بشار الأسد (AFP)

سيارة المبعوث الخاص للأمم المتحدة في دمشق وخلفها صورة للرئيس السوري بشار الأسد (AFP)

وكان الانجاز الوحيد البارز الذي وصلت إليه الدول الغربية هو قرار تفكيك الأسد من أسلحته الكيميائية تفاديا لكارثة إنسانية بعد أن ظهرت دلائل على أن الأسد استخدم السلاح الكيماوي ضد الشعب السوري. وبالفعل، أذعن الأسد لهذا المطلب الدولي، بحكمة منه أو بضغط من حلفائه، وسرعان ما تحول هذا القرار إلى إنجاز لمصلحة الأسد مخففا الضغوط الدولية عليه، ومعززا مكانته الدولية، أنه زعيم يقدم التنازلات مقابل معارضة أصبحت أكثر تشددا مع مرور الوقت. وهنا رجحت كفة الحكمة على كفة الحظ.

أمرٌ آخر أسعف الأسد هو تحوّل الاحتجاجات الشعبية في سوريا إلى حرب أهلية أنتجت أزمة لاجئين صعبة، فقد أصبح تدفق اللاجئين يهدّد حدود الدول القومية التي قامت في أعقاب الحرب العالمية الأولى. فكل من الأردن، والعراق وتركيا ولبنان، انجرت إلى الحرب الأهلية السورية جراء تدفق اللاجئين إلى أراضيها وفقدان سيطرة الأسد على حدود البلاد في أعقاب تجمع قواته في المركز حفاظا على معقل النظام، مما أدى إلى تلاشي حدود سوريا مع الدول المجاورة باعثا الأمل أمام أقليات المنطقة في الاستقلال، وأمام الدول المجاورة إلى إعادة رسم الحدود التي عكست المنطق الغربي في تقسيم المنطقة.

ويقول باحثون في دراسات الشرق الأوسط إن التقسيم الغربي، أو الاستعمار البريطاني والفرنسي آنذاك، خلق دولا قومية لا علاقة لها بتركيبة الشعوب في الشرق الأوسط، لذلك تخشى الدول الغربية التي تعارض منهج الأسد ووحشيته أن تتطور في المنطقة كيانات تهدد استقرار الشرق الأوسط.

فضلا عن ذلك، أصبح هاجس المجتمع الدولي قبل أي شيء وقف سفك الدم السوري، ووقف تدفق اللاجئين، أكثر منه الوصول إلى حل حقيقي للأزمة.

الداخل السوري

شرطان أساسيان يجب أن يتوفرا لكي يسقط حكم رئيس طاغ، الأول، أن يخترق المواطنون حاجز الخوف، والثاني أن تحدث انشقاقات في قاعدة دعم النظام وفي صفوفه، وفي فبراير/ شباط عام 2011، تحقّق الشرط الأول حين خرج السوريون في مدن كثيرة، تحديدا في ضواحي هذه المدن، إلى الشوارع للتظاهر ضد بشار الأسد. والسؤال إن كان ذلك جراء أحداث "الربيع العربي" أم لا، ليس الأساس هنا، لكن قطاعات عريضة من الشعب السوري اخترقت حاجز الخوف وقررت مواجهة نظام الأسد وشراسته بدون شك.

أطفال سوريون يرفعون لافتات مؤيدة للرئيس السوري بشار الأسد (AFP)

أطفال سوريون يرفعون لافتات مؤيدة للرئيس السوري بشار الأسد (AFP)

أما الشرط الثاني الأساسي، فلم يتوفر حتى الآن. فرغم انشقاقات بارزة في صفوف الجيش النظامي، وخروج كثيرين عن طاعة الأسد، ما زال النظام يتمتع بولاء كبير من جهة القادة الأمنيين والسياسيين. وما زالت قوات الأسد تواجه الاضطرابات الأمنية في البلاد بعزم وقوة، وتقاتل قوات المعارضة على تنوعها، بمعنويات عالية.

وفضلا عن الصلابة الأمنية التي يبثها نظام الأسد حتى اليوم، ثمة تأييد شعبي لاستمرار حكمه خاصة من قواعد التأييد التقليدية لنظامه العلوي، فهنالك أبناء الطائفة العلوية الذين لم يتخلوا بعد عن عائلة الأسد، ومعظمهم يربطون مصيرهم في سوريا بمصير عائلة الأسد، وكذلك الأقليات في سوريا مثل الدروز والمسيحيين، فهم لم ينحازوا بعد عنه، متمسكين به، لأن المجهول ربما يخفي في طياته ما هو أسوأ.

كذلك، هنالك شرائح عديدة من المجتمع السني في سوريا توالي الأسد وتفضله على بدائل الإسلام السياسي، خاصة أن جزءا كبيرا منها يتمتع برخاء اقتصادي بحكم تعايشه مع نظام الأسد ويفضل استمراره، خاصة الطبقة السنية البرجوازية في المدن.

إذن، في المجمل، مزيج من الحظ (قل كثيرا منه) ومن عوامل اجتماعية وسياسية ثابتة في الحالة السورية، وقليل من الحكمة من جهة الأسد، كلها تؤول إلى بقاء الأسد في الحكم، والسؤال هو إن كان الحظ سيحالفه أيضا في عام 2015؟