نجد أحيانًا أنّ شمعون بيريس وُجِدَ قبل التّاريخ. وهو الرّجل الّذي نجده عند كلّ مفترق تاريخيّ لدولة إسرائيل بدءًا بخضم الأزمات الأكثر صعوبة وانتهاءً بأيّام التّطلّع للسّلام، وسيترك منصبه بعد اختيار الكنيست رؤوفين ريفلين وريثًا له.

سياسيّ منذ الولادة

بدأ بيريس البالغ من العمر91 عامًّا حياته المهنيّة في المجال السّياسيّ منذ صغره، وُلد في بولاندا عام 1923، وقدم إلى إسرائيل في سنة 1934. ثم انضمّ إلى قرية تعاونيّة، عمل في مجال الزّراعة ورعي الأغنام، أظهر نبوغًا وخاصّة في منصبه أمين صندوق. بعد أن أصبح أحد قيادي حركة "الشّبيبة العاملة"، لفت انتباه القيادات الصّهيونيّة في إسرائيل، وانضمّ للعمل مع دافيد بن غوريون.

لم يتخل بيريس عن طريق السّلام مع الفلسطينيين ومع باقي الدّول العربيّة

عند بلوغه 30 عامًّا فقط، أشغل بيريس منصب المدير العام لمكتب الدّفاع الإسرائيليّ، وعمل فيه على توطيد العلاقات التّجاريّة بين إسرائيل حديثة العهد وفرنسا، ووقّع على صفقات سلاح ليزوّد بها الجيش الإسرائيليّ الصغير بأفضل ذخيرة في تلك الفترة. وزوّدت فرنسا إسرائيل بعشرات الدّبابات، الطائرات النفّاثة، ونُظم المدفعيّة والرادارات. لقد أشغل المنصب طيلة سنوات الخمسينات، وشغل منصب مهمّ في إقامة معمل البحث النّوويّ في ديمونا.

إن تقدُّم بيريس لم يتوقّف، وتابع إشغال العديد من المناصب، بصفته نائب وزير ووزير. عُيّن في سنة 1974،  وزيرًا للدّفاع في حكومة إسحاق رابين الأولى، وكان له العديد من المواجهات مع رابين خلال هذا المنصب. كان رابين وبيريس خلال هذه السّنوات بمثابة عدوّين لدودين، رّغم انتسابهما لنفس الحزب. عُيّن بيريس على رأس قائمة حزب العمّال إبان انتخابات سنة 1977، وبهذه الطّريقة كان على وشك أن يكون رئيسًا للحكومة. إلّا أنّ خسارته في الانتخابات أمام نظيره مناحم بيجن حالت دون ذلك.

رئيس الحكومة إسحاق رابين مع شمعون بيريس (PATRICK BAZ / AFP)

رئيس الحكومة إسحاق رابين مع شمعون بيريس (PATRICK BAZ / AFP)

كانت هذه الخسارة الأولى من جملة الخسائر الّتي مُنِي بها بيريس إثر ترشّحه للانتخابات. عشيّة انتخابات 1981، كان جليًّا أنّ بيريس هو الفائز، إضافة إلى ذلك سُوِّق "كرئيس جديد لحكومة إسرائيل"، ولكن، اتّضح  عشيّة الانتخابات أنّ بيجن قد نجح مرّة أخرى في الانتخابات.

ولقد خسر بيريس الانتخابات لرئاسة الحكومة في عامي 1988 و 1996، ولم ينجح أبدًا في أي من الانتخابات الّتي ترشّح فيها لرئاسة الحكومة. وقد نجح في الترشح لرئاسة الحكومة سنة 1984، ولكنّه لم يشكّل العدد المطلوب في الكنيست لذلك اضطرّ لمشاركة إسحاق شامير رئيس حزب الليكود المنافس.

المعركة من أجل السّلام و الخسائر الفادحة

أكثر بيريس عند تولّيه منصب وزير الخارجيّة في الحقبة الرّئاسيّة لشامير، من الاجتماع مع العاهل الأردنيّ حسين بهدف التوصل معه إلى تسوية سياسيّة تتيح الانسحاب الإسرائيلي من الضّفة الغربيّة، إلّا أنّ شامير رفض كلّ تسوية من هذا القبيل، الأمر الّذي أدّى إلى فشل محاولاته.

رجال بيريس هم من أعدّوا "لاتّفاقيّة أوسلو" الّتي أفضت في نهاية الأمر إلى تسوية بين إسرائيل ومنظّمة التّحرير الفلسطينيّة

بلغت قدرات بيريس السّياسيّة ذروتها في سنة 1992، عند تقلّده منصب وزير الخارجيّة في فترة رابين الرّئاسيّة. فرجال بيريس هم من أعدّوا "لاتّفاقيّة أوسلو" الّتي أفضت، في نهاية الأمر، إلى تسوية بين إسرائيل ومنظّمة التّحرير الفلسطينيّة، الأمر الّذي تمخّض عنه الانسحاب من مدن الضّفّة الغربيّة وقطاع غزّة وإقامة سلطة فلسطينيّة. وكانت مصافحة رابين لياسر عرفات إلى حدٍّ بعيد ثمرة عمل شمعون بيريس. وبهذا تحوّل من الرّجل الّذي يهتمّ بتسلّح جيش إسرائيل إلى رجل يحارب من أجل السّلام.

شمعون بيريس يخاطب الكنيست (SVEN NACKSTRAND / AFP)

شمعون بيريس يخاطب الكنيست (SVEN NACKSTRAND / AFP)

وصلت علاقاته برابين الّتي لا طالما كانت متوتّرة، إلى ذروة التّعاون عندما خدم في إطار حكومته. ولكنّ رابين اُغتِيل على يد إسرائيليّ معارض لعمليّة السّلام في تشرين الثّاني من عام 1995، ونعى بيريس وفاة خصمه - صديقه وعيّن رئيسًا للحكومة بدلًا منه. وقف القاتل، يغئال عمير، بجانب بيريس قبل اغتياله لرابين، ولكنّه قرّر قتل رئيس الحكومة، رابين.

منذ حادثة اغتيال رابين، لم يتخل بيريس عن طريق السّلام مع الفلسطينيين ومع باقي الدّول العربيّة، فكان شريكًا للسلام في فترة عرفات، محمود عبّاس، حافظ الأسد أو ابنه بشّار. في عام 1996، حُسِمت الانتخابات الإسرائيليّة ضدّ بيريس، وتم اختيار بنيامين نتنياهو لرئاسة الدّولة. بعد الخسارة أُقِيم "مركز بيرس للسّلام"، الّذي كان يهدف إلى تطوير عمليّة السّلام باشراك إسرائيل جاراتها، وهذا حسب رؤيته "للشّرق الأوسط الحديث".

بعد خسارته المتكرّرة في الانتخابات وُسِمت شخصيّة بيريس بعد ذلك بلقب "الخاسر"، ولكن بعد انتخابه رئيسا تخلّص من لقبه

مُنّي بخسارة فادحة في سنة 2000، وخاصّة عند ترشّحه لرئاسة الدّولة، لكنّه هُزِمَ أمام مرشّح الليكود موشيه كتساف. بعد خسارته المتكرّرة في الانتخابات وُسِمت شخصيّته بعد ذلك بلقب "الخاسر". وبعد عدّة سنوات، قرّر ترشيح نفسه لرئاسة حزب العمل، إلّا أنّه خسر مجدّدًا أمام نظيره عمير بيريس. هذا كان الحدث الأكثر كآبة سياسيًّا في حياة شمعون بيريس.

رئيس الدولة بيريس في كنيس (Moshe Milner / GPO / FLASH90)

رئيس الدولة بيريس في كنيس (Moshe Milner / GPO / FLASH90)

لهذا قرّر اختيار طريق أريئيل شارون السّياسيّة، الّذي أقام في حينها حزب "كاديما"، ونفّذ عمليّة فكّ الارتباط عن قطاع غزّة. في سنة 2007، حاول شمعون بيريس فحص احتمالاته ثانية وترشّح لرئاسة دولة إسرائيل، وفي هذه المرّة أُخْتيِر بغالبيّة عظمى، وبهذا تخلّص من لقبه "الخاسر".

سيادة الرّئيس

كان بيريس دومًا في مركز الجدل فكان له مؤيّدون ومعارضون. ولكن بعد توليه الرئاسة أصبح بيريس يتخطى كلّ  جدل ومحبوبًا من قِبَل كلّ الشّعب

تعتبر سبع سنوات من تقلّده منصب رئيس الدّولة نهاية مشرّفة وناجحة لحياته المهنيّة المشتعلة. قبل وصوله لمنصبه الرّفيع، كان دومًا في مركز الجدل فكان له مؤيّدون ومعارضون، محبّون وكارهون. ولكن بعد توليه الرئاسة أصبح بيريس يتخطى كلّ  جدل ومحبوبًا من قِبَل كلّ الشّعب. واتّضح كثيرًا، أنّه ليس لديه أي حالات فشل؛ بل كان مصدر إعجاب لدى العديدين. لم يشكّل عمره المتقدم عقبة، بل كان مصدرًا للانفعال.  ويتّضح أنه حافظ على شعبيّته خلال تلك السّنين.

تحوّل بيريس إلى المتحدّث الأكثر خبرة لإسرائيل الحديثة، والمتنوّرة والليبراليّة، المتّجهة نحو السّلام. في حديثه أمام هيئة الأمم المتّحدة في سنة 2008،  تطرّق إلى رؤيته المستقبليّة للشّرق الأوسط، حين قال "الحدود التّرابيّة يُمكن أن تتحوّل إلى حدود اقتصاديّة تتيح للجميع التّنقّل عبرها بحرّيّة، والتجارة والأفكار. وستتيح تلك الحدود الاقتصادية  تشجيع السّياحة وبناء دفيئات لتطوير التّكنولوجيا الناشئة.

لم يتخلَّ بيريس في أي وقت عن الحديث عن رؤيته للسّلام، وتابع لقاء صديقه، محمود عبّاس. فكان الأمر منوطًا أحيانًا بمزاج رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، المتمسك بالتّوجّه المتشكك حول القدرة للوصول إلى اتّفاقيّة سلام مع عبّاس.

بيريس وعباس (Mark Neyman/GPO)

بيريس وعباس (Mark Neyman/GPO)

كانت الصّلاة المشتركة لبيريس، عبّاس وبابا الفاتيكان بمثابة الوتر الرّمزيّ في منصبه رئيس الدولة. لم يستطع اتخاذ أي عمل سلميّ ملموس، ولكنّه مثّل الرّمز للوصول إليه. الآن، بعد انقضاء فترة رئاسته لم يبق له سوى أن يصلي من أجل السلام.