في أعقاب الثورة الإسلامية عام 1979 توقفت شبكة الوجبات السريعة الأكبر في العالم، ماكدونالز، عن عملها في إيران، ومنذ ذلك الحين اضطرّ سكان البلاد على الاكتفاء بالتقليد المحلّي للشبكة الأمريكية، مثل شبكة مطاعم "مش-دونالد" التي بدأت بالعمل في المدن الرئيسية في جميع أنحاء البلاد في التسعينيات.

في الشهر الماضي، بعد أيام معدودة من التوقيع على الاتفاق النووي بين إيران والغرب، ذُكر أن ماكدونالز ترغب بالحصول على رخصة لافتتاح فروع لها في إيران. رغم الإنكار من جانب ماكدونالز سارعت إيران على الردّ على هذه الإشاعات. صرّح رئيس رابطة تجار الأغذية في طهران أنّه إذا كانت الشبكة الأمريكية ترغب بالعمل في إيران فعليها الحصول على موافقة على ذلك من السلطات الإدارية ووزارة الإرشاد الإسلامي. وقال رئيس الإدارة العامة للغذاء والدواء إنّ عمل الشبكة مشروط بالحصول على رخصة من وزارة الصحة وبالحرص على أحكام الذبح الإسلامية.

ولكن يبدو أنّ المنزعجين الأساسيين من عودة ماكدونالز إلى إيران هم رجال المؤسسة الدينية والمحافظة، الذين عبّر بعضهم عن معارضته الشديدة لدخول "رمز الثقافة الأمريكية" إلى إيران. وذكر رجل الدين المحافظ والكبير، رضا تقوي، الذي يترأس مجلس وضع سياسات خطباء الجمعة في المساجد، أنّ أمريكا لا تزال العدوّ رقم واحد لإيران وتأسف بأنّ الإيرانيين يرغبون بافتتاح فروع لماكدونالز في البلاد قبل أن يتوضّح مستقبل الاتفاق النووي.

وهاجمت الصحيفة اليومية المحافظة "كيهان" بشدّة الإعلام الإصلاحي الذي يشيع، بحسب زعمها، أنباء عن هامبرغر وشيبس من صناعة ماكدونالز من أجل تحويل انتباه الرأي العام عن وعود الحكومة بحلول لجميع مشاكل إيران بفضل الاتفاق النووي. وأكّد موقع، "مشرق نيوز"، من جهته، على معارضة المرشد الأعلى، علي خامنئي، لاختراق الشركات الغربية لإيران، والتي تهدف إلى تعزيز ثقافة الاستهلاك الغربية وتدمير الثقافة الإيرانية. وبشكل مشابه لاعتماد اللباس الغربي، الذي قد يؤدي إلى تغيير سلوكي، فإنّ اعتماد الطعام الغربي أيضًا قد يؤدي بالتدريج إلى تغيّر سلوك الشباب. وذكر الموقع أنّ خامنئي قد أصدر في الماضي فتوى ضدّ استيراد منتجات الاستهلاك الغربية إلى إيران ومنع دخول ماكدونالز إلى إيران.

هامبورغر ماكدونالز (AFP)

هامبورغر ماكدونالز (AFP)

وقال موقع محافظ آخر إنّه لا يمكن أن ننظر إلى نية ماكدونالز بافتتاح فروع لها في إيران كقضية اقتصادية بحتة. ويثبت تاريخ الشبكة، وتاريخ شبكات أمريكية أخرى مثل كوكا كولا، بأنّ هدفها هو تعزيز الأمركة في العالم ونشر أسلوب الحياة الأمريكي والقيم الثقافية الغربية من أجل ترسيخ الهيمنة الأمريكية على العالم. وذكر الموقع أنّه في الماضي حاولت الولايات المتحدة استخدام ماكدونالز وبناطيل الجينز من أجل إقناع الرأي العام في الاتحاد السوفياتي بترك الشيوعية واعتماد القيم الغربية. وأبعد من ذلك، زعم الموقع بأنّ ماكدونالز تدعم دولة إسرائيل، من بين أمور أخرى، بواسطة استثمار الأموال في المؤسسات الصهيونية.

وردّت الصحيفة الإصلاحية "قانون" على مزاعم المحافظين بهجاء ساخر. لقد حاول الإصلاحيين فعلا، كما جاء في الصحيفة، على مدى سنوات أن يعبّروا عن معارضتهم السياسية بواسطة دعم العجّة مع البصل، بيتزا الثوم وشرائح اللحم. ولذلك يجب على المواطنين التظاهر أمام اتحاد أصحاب المطاعم احتجاجا على هذا "المشروع الأمريكي" وتناول أطباق فارسية أصيلة، مثل أسياخ الكباب. وفي مواقع التواصل الاجتماعي كانت التعليقات مختلطة، وإلى جانب توقع تغيير الفلافل بماكدونالز كان هناك من زعم أنّ الطعام الإيراني المحلي أفضل بكثير من الأطعمة المصنّعة بجودة منخفضة والتي تنتجها الشبكة. وفي أعقاب هذه العاصمة أعلن نائب وزير الصناعة الإيراني، مجتبى خوسرو تاج، أنّه لم يتم تقديم أي طلب من قبل الشبكة لتجديد نشاطها في إيران، ومن ثمّ فإنّها لم تُمنح أية موافقة من قبل السلطات.

وتشير ردود الفعل الشديدة على الدخول المحتمل لماكدونالز إلى إيران إلى القلق في أوساط المؤسسة الدينية المحافظة من الآثار المتوقعة لتجديد نشاط الشركات الغربية في إيران. إلى جانب القلق من التأثيرات الاقتصادية للأعمال التجارية الأجنبية على التجار ورجال الأعمال المحليّين، فإن أساس هذا القلق هو من الاختراق الثقافي الغربي الذي سيترافق مع الاختراق الاقتصادي. من المفترض أن يزيد هذا الاختراق من تأثير ثقافة الاستهلاك الغربية على المجتمع الإيراني، وخصوصا على أبناء الجيل الشاب، وتسريع عمليات التغيير الاجتماعي الذي قد تشكّل خطورة، في نظر النظام، على استقراره على المدى البعيد.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي