قد يصعب قليلًا التصديق، لكنّ 4 سنوات تقريبًا مرّت منذ فاجأ بيبرس ناتخو عالم الرياضة في إسرائيل. ففي ظلّ حملة ناجحة بزيّ هبوعيل تل أبيب، أعلن عن انتقاله إلى روبين كازان، نادٍ فاخر في الدوري الروسي. حينذاك، كانت كرة القدم الروسية في اتّجاه تصاعُدي، لكنّ لاعب الوسط الشركسي الأصل كان الإسرائيلي الأوّل الذي يسطع نجمه على ملاعب الدولة السوفياتية السابقة.

وبعد أن شارك في 100 مباراة مع كازان، وأصبح لاعبًا مركزيًّا في وسط الملعب وأحد النجوم الكبار في الفريق، أعلن ناتخو منذ فترة قصيرة أنه يبحث عن نادٍ جديد، في فترة الانتقالات التي تبدأ الأسبوع القادم. لاعب الوسط الموهوب مطلوب من قِبل نوادٍ كثيرة في أرجاء القارّة الأوروبية، بينها إيفرتون الإنجليزي، شالكه الألماني، وغلطة سراي التركي، وخلال نحو شهر يُرجَّح أن يكون في مكانٍ طقسه مريح أكثر من روسيا.

هذا هو المشهد من المدرَّجات حين يُدير ناتخو كرة حرة إلى شباك نادي توتنهام الكبير:

لكن قبل الحديث عن المستقبل، لنعُد قليلًا إلى الماضي. بدأ ناتخو ابن السادسة والعشرين، المدعوّ على اسم السلطان المملوكي الشهير بيبرس، مسيرته الرياضية في هبوعيل تل أبيب، حيث لعب 4 سنوات. وقد شارك في 147 مباراة، سجّل 8 أهداف، وكان شريكًا في مشاركة أوروبية ناجحة. ورغم طوله المتواضع (1.74 متر)، أظهر ناتخو في تلك الفترة تقنيات مرتفعة، كانت كفيلة، إلى جانب الحافز الهائل لديه، بتحويله إلى سلعة مرغوب بها في سوق الانتقالات.

في دور الـ 32 الأواخر في الدوري الأوروبي، عام 2010، أذهل اللاعب الشاب قادة كازان في مباراتَيه أمام هبوعيل تل أبيب.. ثمة مَن خشي مِن أن يصعّب الانتقال إلى دوري هجومي وعلى مستوى تقني مرتفع عليه البروز وإملاء وتيرة اللعب، كما فعل في إسرائيل. لكنّ المخاوف تبدّدت، وبفضل طابعه المريح - وأيضًا القرابة الحضارية بين الشركس والتتر في كازان، التي يجري التعبير عنها في لغة مشابهة - مهّد الطريق بسرعة نحو نجاح آخر.

ركلة جزاء ناجحة أماما تشلسي، جاءت بعد هدف على توتنهام - لا عجب أنّ المعلّق دعاه "صيّاد الإنجليز"!

في موسمه الثاني في كازان، حقق نجاحًا بالفوز بكأس روسيا، وفي الموسم الذي تلاه لم يوقف تقدّمه، وأصبح مسدِّد ركلات الجزاء الثابت للفريق. السنة الماضية، وصل مع النادي إلى ربع نهائي الدوري الأوروبي، حيث أقصاه بصعوبة نادي تشلسي، بعد أن سجّل ركلتَي جزاء في مرمى الحارس الأسطوري، بيتر تشيك، في المباراتَين بين الفريقَين. وقد سجّل في هذا الموسم 9 أهداف في الدوري، ومرّر 5 تمريرات حاسمة أثمرت أهدافًا. كما تمّ اختياره اللاعب الأجنبي المميَّز في الدوري الروسي (!)، متقدِّمًا على أسماء مثل هالك (زينيت)، وفاغنر لوف (سيسكا موسكو)، النجمَين البرازيليَّين.

أمّا أهمّ نقطة قوّة لدى ناتخو، وفق البعض، فهي أداؤه في الأوضاع الثابتة. إذا كان الحديث عن ركلة ركنيّة أو كرة حرّة جانبيّة، فإنّ ناتخو يُتقن دومًا تحديد الرأس الجاهز لتلقّي الكرة؛ إذا سنحت أمامه رمية حرّة، يضع الكرة في الشباك، أو على الأقل يجعل حارس المرمى يمدّ أطرافه حتى الحدّ الأقصى؛ وكما رأيتم سابقًا، لديه نسب دقة مرتفعة كثيرًا من النقطة البيضاء.

ناتخو يسدّد الكرة إلى رأس إيتي شختر، في تمريرة حاسمة تميّز كثيرًا عهده في تل أبيب:

في تشكيلة المنتخب الإسرائيلي أيضًا، نجح ناتخو في حجز مكان ثابت، إلى حدٍّ بعيد لصلاته بالمدرِّب، إيلي غوتمان، الذي قاده حين كان في هبوعيل تل أبيب وكان أوّل من منح لاعب الوسط الشاب، المنحدر من قرية كفر كما في الجليل الأسفل، فرصة. لكن، بنظرة موضوعيّة - ورغم أنّ لاعبين ذوي لياقة أفضل تواجدوا في الماضي - فإنّه أفضل لاعب خطّ وسط عرفته الرياضة الإسرائيلية. مسؤول، ذو تصميم، لطيف، وذو حسّ سليم بوتيرة اللعب. لاعب يعرف متى يضع قدمه على دوّاسة البنزين، ومتى يهدأ ويجعل الطرف الآخر يستنفد قواه.

ناتخو يسجّل هدفًا رائعًا لصالح إسرائيل عن بُعد 40 مترًا، بتسديدة قويّة ودقيقة في زاوية مرمى أذربيجان:

فإلى أين سيصل ناتخو؟ كونه حرًّا في وسط موسم كرة القدم لمعظم النوادي في أوروبا (في روسيا لا يلعبون كرة القدم في الشتاء، بسبب ظروف الطقس القاسية) يسهّل عليه حتمًا إيجاد مكان جديد. بالنسبة لنوادٍ عديدة التي تحتاج حاجةً ماسّة إلى تعزيز وسط الملعب، فإنّ التوقيع مع القائد غير الأناني في هذه المرحلة من الموسم هو أشبه ببركة. العيب الوحيد، الذي يمكن أن يكون أحد اعتبارات نوادٍ مثل غلطة سراي أو شالكه، هو أنّ ناتخو لن يكون بإمكانه المشاركة معهما في دوري الأبطال لأنه سبق أن شارك هذا الموسم مع كازان في الدوري الأوروبي. لكن، رغم ذلك فإنه كنز جذّاب. أيكون، بقليل من الحظّ وبعد سنوات طويلة، أخيرًا ممثّل بارز لكرة القدم الإسرائيلية في ألمانيا أو في إنجلترا؟

الهدف قبل الأخير مع كازان - قفزة محكَمة فوق حارس الخصم في الطريق إلى الدور القادم في الدوري الأوروبي: