يحاول أبرز المحللين الإسرائيليين، في الأيام التي مضت منذ طرح الاتفاق الأمريكي-الروسي على العالم لنزع سلاح الأسد الكيميائي، فهم ما معنى الاتفاق، ما هي احتمالات معناه الفعلي، والأهم من ذلك كله من الناحية الإسرائيلية - ماذا يقول هذا الاتفاق بصفته سابقة، فيما يتعلق بالموضوع النووي الإيراني.

يُعتبر رئيس الاستخبارات الإسرائيلية الأسبق، عاموس يدلين، الذي ترأس المركز الإسرائيلي لأبحاث الأمن القومي (INSS) أحد الشخصيات الأكثر دقة بكل ما يتعلق بتحليل التوجهات الإقليمية.

كان يدلين أحد المصادر الإسرائيلية الذين تحدثوا بشكل واضح عن استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية قبل أشهر كثيرة، حتى حين رفضت الولايات المتحدة الاعتراف بأن لديها معلومات استخباراتية تثبت الافتراض.

يعرّف يدلين الاتفاق، في مقال قام بنشره، افتراضا أنه سيتم تنفيذه بحذافيره فعلا، كوضع ينتصر فيه الجميع، أو كما يعرف ذلك، مبدأ الفوز للطرفين (Win Win Situation).

روسيا، التي دفعت إلى هذه العملية استعدادًا لبلورة الاتفاق، عادت عمليًا إلى مكانة متساوية مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؛ الولايات المتحدة برئاسة إدارة أوباما لم تسارع إلى تنفيذ خطوة عسكرية، وقد منحها الاتفاق مخرجًا سياسيًا- دبلوماسيًا مرفقًا بإنجاز استراتيجي ملحوظ؛ ونظام بشار الأسد في سوريا نجح في منع ضربة عسكرية أمريكية مؤلمة وحصل عمليا على "مصادقة" لمواصلة كفاحه ضد الثوار وقتل المواطنين بأي وسيلة يختارها، لنزع السلاح الكيميائي. أما من ناحية إسرائيل فربما زال التهديد طويل السنوات بالسلاح الكيميائي، حيث أصبح بإمكانها أن تتحرر من العبء المالي أيضا المنوط بتكاليف توفير أقنعة الغاز للمواطنين‎.‎

من تضرر، إذًا؟ حسب يدلين، يجري الحديث عن اثنين: العدل والأخلاقيات – لقد فضلت الدول العظمى عدم التعامل مع الحل الشامل للحرب الأهلية السورية والقتل المتواصل في سوريا. بشار الأسد، المسؤول عن قتل أكثر من مائة ألف مواطن سوري، من بين أمور أخرى باستخدام سلاح الدمار الشامل - لم تتم معاقبته. يبدو أنه حصل حتى على مصادقة غير مباشرة لمواصلة القتل.

ثمة جهة حقيقة تضررت أكثر، على حد أقواله، وهي المعارضة السورية وكل من يعتقد أن نظام الأسد غير ملائم ليواصل سيطرته على سوريا، وأنه يجب القضاء عليه لأسباب استراتيجية (مسّ لاذع بالمحور الراديكالي) وأخلاقية.‎
على الرغم من ذلك، يبدو أن إسرائيل تُبدي بعض الثقة بالإمكانية بأن ينفذ الأسد الاتفاق بحذافيره فعلا.

"من المتوقع أن يفقد الرئيس الأسد ونظامه منظومة استراتيجية، كانوا يعتبرونها شهادة تأمين أمام التهديدات الداخلية والخارجية. إذا تخلى الأسد عن سلاحه الكيميائي، فسيفقد النظام قدرته على ردع الخصوم ووقف القوات التي تطمح إلى اقتلاعه من دمشق".‎ هذا ما كتبه يدلين.

ويتابع "‎على ضوء ذلك، من المتوقع أن يفعل الأسد كل ما في وسعه للإخلال بالعملية والحفاظ على قدرة كيميائية ميدانية في حوزته، من خلال التحريف والغش. كل ذلك في محاولة منه لتقليص الثمن الذي فُرض عليه مقابل إرجاء هجوم أمريكي".

"لم يتردد الأسد، في الماضي، عن الكذب وخداع أفضل الدبلوماسيين من أوروبا والولايات المتحدة، الذين أداروا اتصالات معه. لقد تنصل من مسؤوليته عن قتل رئيس حكومة لبنان رفيق الحريري، وسلّة من كبار الشخصيات اللبنانية الأخرى، عن وجود خطة نووية في سوريا ووجود آلية سلاح كيميائي (!) في سوريا وكذلك نقل أسلحة متطورة إلى حزب الله. كما أن وزير الخارجية كيري، الذي شغل منصب رئيس لجنة الخارجية في مجلس الشيوخ سابقا في الولايات المتحدة، كان قد زار دمشق مرات عديدة، وتحدث مع الأسد حول العملية السلمية، وكان ضحية أكاذيب الأسد وخاصة تنصله من تمرير صواريخ "سكاد" إلى حزب الله. تمت الإجابة على أسئلة السيناتور كيري حول هذا الموضوع بإنكار تام، بلا حياء" يكتب يدلين.

أما الإيرانيين، على حد أقواله، فيتابعون بترقّب ما يحدث: "أي مخطط يتطور في سوريا سيدرسه الإيرانيون دراسة جيدة، مع التشديد على مصداقية الخيار العسكري الأمريكي، مصداقية الخطوط الحمراء التي حددها أوباما، مدى دعم الجمهور الأمريكي للخطوة العسكرية، معنى السلوك الروسي (الاهتمام ببقاء حلفائها أو قلق حقيقي من نشر أسلحة الدمار الشامل). سوف يختبر الإيرانيون جيدا ردود فعل المجتمع الدولي على عدم التعاون السوري في الموضوع غير التقليدي من جهة، ومتابعة القتل التقليدي غير مكبوح الجماح من جهة أخرى. سوف تكون للنتائج التي سيستخلصها النظام في طهران نتيجة دراسة هذه المواضيع، من دون شك، تأثيرات على متابعة التعامل مع إيران بالنسبة لتقديمها في إكمال برنامجها النووي العسكري".