في هذه الأيام، قبل سبع سنين، جرت معارك ضارية في قطاع غزة، حصدت حياةَ عشرات الفلسطينيين. لم تدر المعارك بين الجيش الإسرائيلي والفلسطينيين، بل بين رجال فتح الذين سيّطروا على غزة في العقد الذي مضى، وكتائب عز الدين القسام، الذين أحسوا بالقوة بعد انسحاب إسرائيل من قطاع غزة في الصيف الذي سبق ما حدث.

قُتل حوالي 40 شخصًا، أغلبهم من فتح، في شهر أيار 2006. وكانت رفح وغزة مواقع المعارك الضارية، واستمسك الأمن الوقائي الفلسطيني بما تبقى من قوة سيطرته على غزة. قتلت كتائب عز الدين القسام الأشخاص الذين تركوا طابعهم على قطاع غزة لسنوات طوال مثل سميح المدهون وجمال أبو جديان، واحدًا تلو الآخر، وسقطت رموز السلطة في القطاع مثل السرايا وبيت ياسر عرفات بيد حماس بعد معارك شديدة.

فرّ محمد دحلان من غزة، بعد أت عُرف لسنوات أنه المُسيّطر الذي لا منافس له على قطاع غزة

قُتل في المواجهات ما يصل إلى 300 شخص من الجانبين، أغلبيتهم الساحقة من الجانب المهزوم من فتح. فرّ محمد دحلان من غزة، بعد أت عُرف لسنوات أنه المُسيّطر الذي لا منافس له على قطاع غزة. فورًا بعد الاستيلاء، نشر مؤيدو حماس روايتهم لتسلسل الأحداث التي أدت للانقلاب، حين صوروا دحلان كزعيمِ عصابة فئران، وأنفسهم- كأسود علا زئيرها.

النغمة التي أرادت حماس عرضها هي أن "فئران" فتح قد هُزمت، والآن جاء دور "الأسود" لتحكم

كان الاستيلاء على قطاع غزة فرصة ذهبية لحماس كي تُظهر كيف تدير دولة. كما يظهر المقطع أعلاه،  النغمة التي أرادت حماس عرضها هي أن "فئران" فتح قد هُزمت، والآن جاء دور "الأسود" لتحكم، عصر النمو والازدهار، عصر علوّ المبادئ المقدسة التي غلبت المال الأمريكي والصهيوني.

لكن هل حدث في القطاع حقًا ما ورد في الفيلم؟ هل صار قطاع غزة تحت حكم حماس جنات وافرة الظلال، وتمتع الفلسطينيون فيها بكل ما فقدوه أيامَ حكم السلطة؟

تحديات الحكم

ما كان كافيًّا لأعمال الوعظ الديني، الخطابات المسجدية، توزيع أموال الزكاة، وضع القنابل وإطلاق صواريخ نحو إسرائيل، لم يكن كافيًّا لتأسيس حكومة

لقد أهدت كتائب عز الدين القسام حماسَ قطاع غزة على طبق من ذهب، وأخلى التحدي العسكري للاحتلال وقتل العدو مقعده للتحديات اليومية والروتينية- تقوية الحكم والسيّطرة على سكان القطاع. يرى البعض في ذلك خطوة أولى، سبقت زمانها، لارتفاع موجة الحركات الإسلامية إلى الحكم في كل أرجاء العالم العربي.

آليات الحركة الدعوية التي تعمل منذ عشرين سنة في القطاع، لم تكف لتأسيس حكومة فلسطينية حقيقية. ما كان كافيًّا لأعمال الوعظ الديني، الخطابات المسجدية، توزيع أموال الزكاة، وضع القنابل وإطلاق صواريخ نحو إسرائيل، لم يكن كافيًّا لتأسيس حكومة.

عناصر القسام يحتلون منزل الرئيس عباس في غزة (AFP PHOTO/ MAHMUD HAMS)

عناصر القسام يحتلون منزل الرئيس عباس في غزة (AFP PHOTO/ MAHMUD HAMS)

كانت التحديات التي واجهت الحركة كثيرة ومتشعبة. أولا، كان على حماس أن تقف في وجه الضغط الدولي العارم الذي ألقي عليها كي تفي بالشروط الدولية، التي طالبتها بالاعتراف بإسرائيل. الحصار الذي ضربته إسرائيل على غزة، في نفس الوقت، بعد خطف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط قبل الاستيلاء بسنة، زاد الحالَ سوءا وحدة.

عزل مرسي عن الحكم أعاد حماس لعزل دولي أشدّ، مما دفع المنظمة في نهاية المطاف لاتفاق مصالحة مع فتح

أضعفت جوْلتا المواجهة مع إسرائيل، في كانون الأول 2008 و 2012، الحركة إضعافًا بيّنًا. رغم الارتفاع قصير الأمد في الدعم الشعبي للمنظمة، تركت هذه الجولات بُنيةَ حماس متخلخلة، وقاعدتَها مضطربة. بدا في بداية 2013 أن حماس في وضع لا بأس به، وذلك بعد أن وقعت معاهدة وقف إطلاق النار المريحة مع إسرائيل، بدعم من الرئيس المصري إذّاك، محمد مرسي. لكنّ عزل مرسي عن الحكم أعاد حماس لعزل دولي أشدّ، مما دفع المنظمة في نهاية المطاف لاتفاق مصالحة مع فتح.

التحديات الاقتصادية

ثانيًا، أرغمت التحديات الاقتصادية التي نشأت في أعقاب الحصار، حماسَ إلى تأسيس اقتصادها على بنية الأنفاق على الحدود المصرية، التي شكلت 80% من تمويلها. أصبحت نافذة المتنفس المصري هي نافذة الحياة الوحيدة للغزّيين، بعد أن باتت باقي البُنى الاقتصادية، بما فيها المناطق الصناعية والمنتجات الزراعية المعدّة للتصدير، على شفا انهيار كامل.

عدا عن "اقتصاد الأنفاق"، اعتمدت حكومة حماس اعتمادًا كبيرًا على التبرعات الخارجية، وعلى ميزانيات من حكومة السلطة في رام الله.

أنفاق غزة (FLash90/Wissam Nassar)

أنفاق غزة (FLash90/Wissam Nassar)

لا شك في أن وضع القطاع الاقتصادي قد تهاوى في السبع سنوات تحت حكم حماس، الذي تمثل في انخفاض مساهمة القطاع النسبية في الاقتصاد الفلسطيني من 35% إلى 10 % فقط. سُجل كذلك تدهور حالة قسم كبير من السكان إلى ما تحت خط الفقر، وبالمقابل، سُجل ارتفاع بنسبة البطالة إلى ما يزيد عن نصف السكان.

لقد أصبح النقص في الوقود، الكهرباء، الطين والحديد، نقصًا دائمًا. وبسبب العزل الدولي، قلت الاستثمارات الخارجية وألغيت مشاريع الدول المانحة

لقد أصبح النقص في الوقود، الكهرباء، الطين والحديد، نقصًا دائمًا. وبسببالعزل الدولي، قلت الاستثمارات الخارجية وألغيت مشاريع الدول المانحة. وحصل التدهور أيضًا من ناحية اجتماعية: زادت نسبة الجريمة، التسرب من المدارس، وتدهور وضع السكان الصحي والغذائي. بموازاة كل هذا، تحسن وضع سكان الضفة الغربية.

شاحنة وقود على معبر كرم ابو سالم (Flash90Abed Rahim Khatib)

شاحنة وقود على معبر كرم ابو سالم (Flash90Abed Rahim Khatib)

المنظمات المتمردة

ثالثًا، اضطرت حماس إلى إظهار طريقة تعاملها مع المنظمات المتمردة التي لم تنضَوِ تحت لوائها. بعد سنين من مهاجمة حماس لطرق السلطة الفلسطينية في التعاون مع إسرائيل، اضطرت أن تخوض ذات التجربة التي خاضتها السلطة، حين استعملت حماس القوة للجم إطلاق الصواريخ من المنظمات الجهادية المتطرفة. اتهم هؤلاء حماس بالتعاون مع الاحتلال، واضطرت أن تكشف لهم عن أنيابها.

طي الوضع الداخلي في قطاع غزة تحت جناح حماس الأمني ربما كان هو الإنجاز الأبرز لحماس في هذه الفترة.  حين حكمت السلطة غزة، كان من الصعب اعتبار أن جسمًا مركزيًّا واحدًا فقط يسيّطر على السلاح. العكس هو الصحيح- كان لكل حي عصابته المسلحةـ التي كانت تنضم أحيانًا لمنظمات الأمن، وأحيانًا لا.

سلفيون في غزة (SAID KHATIB / AFP)

سلفيون في غزة (SAID KHATIB / AFP)

مكنت هزيمة فتح في 2007 حماس من تولي المسؤولية عن الأمن الداخلي للقطاع، ووضعت حدًا للتساؤل حول من يتزعم السلطة في قطاع غزة. رغم أن المنظمات الصغيرة لم تفقد قدرتها العسكرية تمامًا، إلا أن كل طلقة أطلِقت في القطاع، وكل صاروخ أطلق منه نحو إسرائيل- كان في نهاية المطاف يقع على كاهل حماس- وإن كانت لم تبادر إليه.

أصبح فرض النظام والقانون، وهو مصطلح لم يكن في الماضي مرتبطًا بحماس، شغل حماس الشاغل

أصبح فرض النظام والقانون، وهو مصطلح لم يكن في الماضي مرتبطًا بحماس، شغل حماس الشاغل.  في إطار هذا الجهد، برّرت حماس أحكام الإعدام لعشرات المواطنين، إضافة إلى التعذيب في السجون الذي أدى لموت المعتقلين، لكنّ هذا النهج البغيض كان شائعًا في سجون السلطة الفلسطينية.

لكن هذا ليس معناه أن غزة قد صارت مكان أكثر أمنًا. تظهر تقارير للأمم المتحدة أنه يُقتل في كل سنة 200 فلسطيني بما سمّته "ضعف سلطة القانون" في القطاع.  على أساس ذلك ظهرت بعض المنظمات السلفية في القطاع، والتي نشأت نتيجة مباشرة لتحوّل حماس من حركة معارِضَةٍ إلى حركة حاكمة. اضطرت حماس إلى التعامل مع هذ المنظمات بقوة السلاح، ولم تتردد في استخدام كتائب عز الدين القسام كي تحارب بكل شدة أعضاء الحركات الجهادية.

الحريات المدنية

خلال ذلك، حاولت حماس فرض الشريعة الإسلامية تدريجيًّا على سكان القطاع، والذي تمثل فيما تمثل بفرض لبس الحجاب ومنع النساء من ركوب الدراجات والتدخين في الأماكن العامة، منع "الرقص الشرقي" علنًا، والرقابة على الأفلام.

البعض رأى في خطوات حماس قرارًا استراتيجيًّا بخصوص مشروع إنشاء إمارة إسلامية في غزة، وادعى أن حماس قررت استبدال هدف تحرير فلسطين، بهدف بناء مجتمع إسلامي

كان النموذج المعلن لحماس هو النموذج "الأردوغاني" المعروف من تركيا، ويتميّز عن  النموذج "الطالباني" أو الشيعي. لكن البعض رأى في ذلك قرارًا استراتيجيًّا لحماس بخصوص مشروع إنشاء إمارة إسلامية في غزة، وادعى أن حماس قررت استبدال هدف تحرير فلسطين، بهدف بناء مجتمع إسلامي. لقد عللت حماس خطواتها بأنها تحارب ما تُسْميه "الغزو الفكري".  من المثير للاهتمام رؤية ما ستكون عليه الأجواء في القطاع بعد اتفاق المصالحة.

‫مدرسة القاهرة فى غزة (Wissam Nassar/Flash90)

‫مدرسة القاهرة فى غزة (Wissam Nassar/Flash90)

ولقد نجحت حماس في تأسيس سلطتها في قطاع غزة، تأسيسًا حظي باعتراف عملي من إسرائيل التي رأت في القطاع بنية سياسية مستقلة. لكن من نواحيَ كثيرة، لم يزدد  وضع سكان القطاع أمنيًا، واقتصاديًّا واجتماعيًّا إلا تدهورًا في هذه الفترة، وقد جعلت تحديات السلطة، حركة حماس التي أخذتها على عاتقها، تلعق جراحها.

لا شك أن رفع راية المقاومة كان أسهل لحماس، حين كانت السلطة الفلسطينية مخوّلة بدفع الأجور وبناء البنى التحتية.  لذا، يمكن التخمين بأن اتفاق المصالحة الذي سيعيد موظفي السلطة للحكم في غزة يشكل تخفيفًا عظيمًا على حركة حماس. لكن، بعد أن جربوا لذة السلطة، ليس من السهل على حماس التنازل عنها.  ما زال مستقبل قطاع غزة مرهونًا بين أيدى حماس أكثر من أي شيء آخر.