الإجراءات الأمنية التي تتخذها الشرطة، وسلطات الأمن الإسرائيلية، بحق أحياء القدس الشرقية، هي ليست الأولى من نوعها. فقد شهدت بعض هذه الأحياء، والضواحي العربية في مدينة القدس، إجراءات عقابية في كل من الانتفاضتين، الأولى والثانية. لكن هذه الإجراءات تأخذ أبعادا أخرى هذه المرة، ليس فقط بسبب التصعيد الأمني الخطير، حيث تدل المعطيات أن أكثر من 80% من العمليات التي أدت إلى هذا التصعيد تم ارتكابها من قبل سكان القدس العرب، وجميعهم من حملة بطاقة الهوية الزرقاء، البطاقة الإسرائيلية.

ولدى السؤال، ماذا يريد سكان القدس العرب من هذه الهبة؟ تتضح أمور عديدة تدل على أن ثمة تغييرات طرأت على أوضاع سكان المدينة، خاصة على المستوى الداخلي. بعض أقطاب المؤسسة الأمنية يقولون إنه بموازاة الإجراءات الأمنية والعقابية بحق المقدسيين العرب، يتم إجراء حوار مع وجهاء الأحياء، والضواحي الفلسطينية لمدينة القدس. الوجهاء لم يختفوا من المدينة، لكن ما اختفى هي قدرتهم على السيطرة المطلقة على جيل الشباب، وعلى الفتية في المدينة.

المختار له احترامه، لكن لم تعد له الطاعة المطلقة من قبل السكان، وتحديدا شريحة الشباب منهم، كذلك الأمر بالنسبة لأرباب الأسر. الهيبة والاحترام لا يزالان قائمين، لكن الطاعة لم تعد عمياء. وتشير هذه الأمور إلى تأخر المستوى الأمني والمخابراتي الإسرائيلي، والذي كان، ولا يزال، هو العامل الرئيسي في التعامل مع سكان القدس الفلسطينيين، قبل البلدية وقبل الوزارات وتحديدا المدنية منها. وتدل هذه الأمور على التأخر في فهم وتشخيص التطورات الاجتماعية والعمرية، وكذلك السياسية، التي طرأت على القدس في السنوات الأخيرة.

ليس سرا أن أعدادا متزايدة من فلسطينيي القدس تسعى للحصول على الجنسية الإسرائيلية، وأن آلاف الفلسطينيين حصلوا بالفعل في السنوات الأخيرة على الجنسية الإسرائيلية ، وأن آلافا آخرين يفضلون الالتحاق بالجامعات والكليات الإسرائيلية، لكن غالبة الدراسات تشير إلى أن هذه الأمور تعود لرغبة هؤلاء في تحسين ظروف حياتهم وجودتها، وأن الهوية الزرقاء الإسرائيلية لا تلغي الهوية السياسية الفلسطينية.

قوات أمنية إسرائيلية مكثفة في القدس الشرقية في أعقاب تصعيد عمليات الطعن التي ينفذها المقدسيون (Hadas Parush/Flash90)

قوات أمنية إسرائيلية مكثفة في القدس الشرقية في أعقاب تصعيد عمليات الطعن التي ينفذها المقدسيون (Hadas Parush/Flash90)

القدس، وبسبب خصوصيتها، لم تشهد تفاعلا كبيرا لسكانها الفلسطينيين مع كل من الانتفاضتين الأولى والثانية. واعتبر الجانب الإسرائيلي ذلك، دلالة على رغبة السكان بالانخراط في المجتمع الإسرائيلي، لكن المعطيات كانت تشير، وباستمرار، إلى عكس ذلك، إذ ساهمت سياسة التضييق والتمييز الإسرائيلية بفشل الجهود التي كانت ترمي إلى "أسرلة" فلسطينيي القدس. ومن بين هذه المعطيات: نسبة مشاركة تقارب الصفر في الانتخابات الإسرائيلية للبلدية، وبالمقابل نسبة 60% مشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية؛ مناهج التعليم في القدس تتبع مناهج السلطة الفلسطينية أو الأردن وليس الإسرائيلية؛ المواطن المقدسي يستعمل القضاء الفلسطيني ويكاد لا يستعمل القضاء الاسرائيلي؛ الأجهزة الأمنية الفلسطينية، والتي يعمل فيها الكثيرون من سكان القدس، تسمح لنفسها باستدعاء مواطني القدس العرب والغالبية الساحقة تستجيب؛ الأندية الرياضية العربية في القدس مسجلة في الاتحادات الفلسطينية وليس الإسرائيلية.

وفي ظل انعدام خدمات أساسية، وحالة فقر وتمييز لم تكن نتائج انتخابات التشريعي مفاجئة: فقد فازت حماس بالمقاعد الأربعة المخصصة لمسلمي القدس في المجلس، وهذه الأجواء مستمرة مع ازدياد مشارع البناء لليهود في المناطق العربية، مقابل مئات إخطارات الهدم التي تهدد العائلات العربية في القدس. في هذا الواقع نشأ الجيل الفلسطيني الجديد - فحتى الأطفال لم يشعروا بأي لحظة أنهم مواطنون إسرائيليون، وأن هناك فرقا بينهم وبين الفلسطيني في مناطق السلطة الفلسطينية.

صحيح أن هناك حالة من الغضب لدى جزء كبير من فلسطينيي القدس من أداء السلطة الفلسطينية، ومن الدعم غير الكافي الذي تقدمه السلطة لسكان القدس العرب الفلسطينيين لكن هبة الأسابيع الأخيرة أوضحت مرة أخرى: سكان القدس ينتمون إلى الأقصى وسكان القدس، رغم انتقاداتهم للسلطة، يحافظون على هويتهم الفلسطينية. وبالمقابل، لا يمكن للقيادة الفلسطينية اعتبار المقدسيين أنهم تحصيل حاصل، إذ يجب على السلطة الفلسطينية بذل الكثير لتستعيد ثقة المقدسيين بهذه السلطة. فنشطاء الحركات الفلسطينية يؤكدون أن المشاركين في مواجهات القدس لا يخضعون لإملاءات تنظيمية فلسطينية، ويشعرون أنهم لم يحصلوا على أي شيء يدفعهم على تقديم وتسخير هبتهم لصالح السلطة الفلسطينية.

ويؤكد ناشط مقدسي أن هبة الفلسطينيين في القدس موجهة بالدرجة الأولى ضد إسرائيل والاحتلال الإسرائيلي، لكنها أيضا تعبّر عن غضب شعبي من تقاعس السلطة الفلسطينية في التعامل الجدي مع قضيتي القدس والمسجد الأقصى. "الجيل الشاب لا يجد حوله أي قيادة وأي بوصلة سياسية، ومع تراجع دور العائلة بسبب أمور كثيرة، أبرزها الأمور المعيشية، نرى الشباب والأطفال يقودون بنفسهم حالة المواجهة وبالطريقة التي يرونها مناسبة.

عضو المجلس الثوري لحركة فتح، ديميتري دلياني، وهو من سكان القدس لا يوافق مع الطرح الذي يقول إن الشباب والصغار، فقط، هم وحدهم عنوان هذه المرحلة. "لا أعتقد أن الجيل الشاب أو الأطفال، هم الذين يقودون هذه الحملة، صحيح أنهم في الواجهة، لكن من يدير الأمور فعليا هو الجيل الأكبر، جيل الانتفاضة الأولى الذي يقود، ويوجّه النضال الفلسطيني في القدس" يقول دلياني لـ "المصدر" .

ويعتبر دلياني أن "رهانات إسرائيل على الاستعانة بالوجهاء، والمخاتير، لن تنجح. فإذا كانت إسرائيل تعتقد أنه بإمكانها، وعبر آلياتها الأمنية، وعبر من تعتبرهم أنهم قادرون على وقف هذه الحالة، فلماذا هي تفشل المرة تلو الأخرى. فلسطينيو القدس جزء من الشعب الفلسطيني، يسعون للحرية ويعبرون في كل مرة من جديد عن التحامهم بالقضية الفلسطينية".

شاب فلسطيني يلقي إطارا خلال مواجهات عنيفة مع قوات الأمن الإسرائيلية في صور باهر (Hadas Parush/Flash90)

شاب فلسطيني يلقي إطارا خلال مواجهات عنيفة مع قوات الأمن الإسرائيلية في صور باهر (Hadas Parush/Flash90)

وردا على سؤال ما إذا كان المسجد الأقصى، والخلاف الدائر حوله مؤخرا، هو المحرك لهذه الأحداث وليس الانتماء الفلسطيني، أو الرفض لسلطة الإسرائيلية؟ يقول دلياني "الأقصى رمز وطني لكافة الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، وهو رمز ديني للمسلمين ليس على مستوى القدس وفلسطين فحسب، بل على مستوى 400 مليون عربي، و1.5 مليار مسلم، وبلا شك كان لقضية الأقصى دور المحرك في هذه الأحداث، لكن هذه الهبة كانت ستأتي حتى وإن لم يحدث هذا التصعيد المتعلق بالمسجد الأقصى، لكن ربما ليس في هذا التوقيت، بل في توقيت أكثر متأخر، لكنها كانت حتما ستأتي لأننا تحت احتلال، ومن الطبيعي أن شعبا تحت الاحتلال، ينتفض، ويثور. ونحن نشكر دولة إسرائيل على أنها قامت في الأيام الأخيرة، عبر الحواجز الترابية، والإسمنتية، بترسيم الحدود بين القدسين". ويقول دلياني إن الفلسطينيين في القدس لا يعترفون بالمؤسسات الإسرائيلية ومحاكمها، ويتعاملون مع مؤسسات السلطة الفلسطينية وهذه إشارة أخرى لموقف سكان القدس.

قد يختلف بعض المقدسيين مع هذه الأقوال، لكن مما لا شك فيه أن الأجيال المقدسية الناشئة تختلف عن تلك التي عرفتها المؤسسة الإسرائيلية، وتحديدا المؤسسة الأمنية. نحن بصدد جيل ترعرع في ظل توسع الوجود اليهودي في الأحياء العربية، وفي ظل الجدار الذي فرق بين الأسر، مما ساهم أيضا بتغيير النسيج والنظام العائلي الذي طالما اعتمدت عليه إسرائيل. فأعداد المقدسيين الذين يسعون للحصول على الجنسية الإسرائيلية، وكذلك أعداد هؤلاء الذين يفضلون الالتحاق بالجامعات والكليات الإسرائيلية، وحتى أعداد هؤلاء الذين ينتقلون للعيش في أحياء القدس اليهودية، كل هذه الأعداد تستمر بالازدياد، لكنها على ما يبدو لن تجعل المقدسيين يتنازلون عن هويتهم القومية.

فلسطينيو القدس بهبتهم الحالية يرسلون أيضا رسالة إلى القيادة الفلسطينية، ان وجودهم في القدس، وتحديدا بقاءهم فيها، يتطلب تحرك سريع من هذه القيادة. فحتى يحصل هذا التحرك، ستستمر التيارات الإسلامية المختلفة من حماس، وغيرها، بتشكيل عنوان أقوى للجيل الصاعد في القدس، مما يعطي الوضع الفلسطيني في القدس، وكذلك النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، صبغة جديدة، وغير معهودة، بالنسبة لكل من إسرائيل والقيادة الفلسطينية.