أ. في الحقيقة، أيها الصديق/ة العربي/ة، أنني لا أملك الكثير مثلك، لدي شخص أعتبره صديقًا قريبًا (حتى لو كان بعيدًا على المستوى المادي)، بالإضافة إلى بعض المعارف، وهذا كلّ شيء. ورغم ذلك، في هذه الأيام السوداء التي تتّسم بـ "الموت للعرب"، أكتب لك ولنفسي كنوع من الأمل الغريب، اليائس، الذي قد يساعد في شيء، يبعثر الظلام قليلا. هذا هو تقريبًا الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أقوم به، أن أصرّح عن الوقوف بجانبك وبجانب المستقبل المشترك. نعم، من الواضح أنّه يمكن السؤال لماذا الآن، ولكن من المناسب أكثر أن نسأل لماذا ليس الآن. الآن هو دائمًا الزمن الأكثر سوءًا، ولكنه أفضل من أي وقت آخر، أليس كذلك؟ يمكنك دائمًا السكوت. وأنا أعلم أنني سكتتُ بما فيه الكفاية. مثل جميعنا.

ليس لأنّ لديّ، هذه أيضًا حقيقة، الكثير من الأمور الجيدة لأقولها أو شيء ونصف شيء لأعد به. الوضع "خربان". أيضًا لا يمكن أن نقول إنّ تحسّنًا ما يبدو في الأفق. ولكن من جهة أخرى، أخي، ما هو الأفق؟ لا يوجد شيء من هذا القبيل. الأفق خطّ خيالي، يصل بين السماء والأرض، اللتين لا تلتقيان ولم تلتقيا أبدًا. إنّه وهم. وحتى لو كان وهمًا، فأنا أفضل أن أتخيّل أفقًا آخر، أفقًا لا يحوي الكراهية.

وبالطبع فأنا لا أستطيع أن أفهم بماذا تمرّ، ولا أن أتخيّل. وكيف أستطيع؟ هناك تفاوت هائل بيننا، يصرخ صامتًا من كلّ زاوية وفي كلّ مكان. لم أكن في حياتي في وضع كهذا: دائمًا مميّز ضدّي، مستبعد، مشبوه، أنظر فوق الكتفين. ليس لديّ، ولا يمكن أن يكون لديّ، أيّة مزاعم لمن يختار أن يذهب من هنا إلى مكان آخر. أعتقد أنني أيضًا كنت سأقوم بنفس الأمر.

سأقف هنا لحظة وأتوجه لأخواني اليهود: هل كنتم (عذرًا، كنّا) سنستطيع الحياة هكذا؟ هل كنّا مستعدّين لأن نجتاز - وليس ليوم، ولا نصف يوم، ولا لساعة - كلّ ما يمرّ به مواطنو الدولة العرب؟ يعود الأصدقاء مصدومين من باريس: لا يستطيع اليهودي المشي مع قلنسوته، يخاف الإسرائيلي الحديث بالعبرية وهكذا، ولكن تحت أنوفهم يحدث نفس الأمر، بل وأسوأ، ولكنّهم يوجّهون أنظارهم إلى المكان الذي يريحهم: إلى غزة، سوريا، جهنّم.

نحن، الذي ترفعنا كلّ شتيمة "يهودي قذر" يُصرخ بها في العالم إلى السماء، نصمت عندما تصدر هنا (حتى أنني لا أكلف نفسي عناء بتغيير كلمة اليهودي بالعربي). لا يوجد دولة في العالم تميّز ضدّ اليهود كما تميّز الدولة اليهودية ضدّ العرب. إذا صرّح في أيّ دولة أخرى وزير ما ضدّ اليهود كما يصرّح وزيرنا ضدّ العرب، كانت الأرض ستهتزّ.

لا تفعل مع الآخرين ما تكرهه لنفسك، كما نقول نحن. أي نكتة حزينة تلك.

ب.‏ قرأت أعمدة كلّ من سيّد قشّوع، زهير بهلول، ميرا عواد وآخرون في صحيفة "هآرتس" (المكان الوحيد تقريبًا الذي يجري فيه نقاش في الموضوع، حتى لو لم يكن نقاشًا حقيقيًّا، وأقرب للصراخ) وكُسر قلبي إربًا.

اتّهمنا، خوّنّا، شتمنا، انتهكنا، جرّمنا، استنكرنا، أجرمنا، وزّعنا "الموت للعرب" في ملاعب كرة القدم والآن هذا في كلّ مكان، ولكن صرخات "الموت للعرب" أيضًا لا تُلام. أن نلومهم كوزير الخارجية الذي يجلس مسترخيًّا على كرسيّه فسيكون نفاقًا، على أقلّ تقدير. وأنا بالطبع لا أبرّؤهم: اقتلوني، فأنا لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن لإنسان أن يصدر هذه الكلمات من فمه، ببساطة لا أستطيع. أليس لديك والدين؟ أليس لديك قلب، ضمير أو دماغ؟ ولكنهم، كما هو معلوم، مجرّد نتيجة. الزهور القبيحة لشجرة عميقة الجذور. لا يمكن إقناعهم ولا يمكن الحديث معهم بشيء، للأسف الشديد، يبدو ذلك ضائعًا. يجب إدانتهم، اعتقالهم، محاكمتهم وحظرهم، وهذا كلّ شيء. ممارسة القوة، هذا ما يفهمونه.

ليس سرّا: وُلدنا، كبرنا وتربّينا على التمييز. إنّها شفافة لدرجة أنّنا، حتى أكثرنا يساريّة، نراها بصعوبة، وإنْ رأيناها نتصرّف كما لو لم نرها. وأنا لا أتحدث على الأمور الكبيرة كالعدالة في التوزيع، الميزانيات، التمثيل إلخ، هذه أيضًا - أو بشكل أساسيّ - هي الأمور الأصغر: الدخول إلى مطار بن غوريون، اللافتات على الطرق، إعلانات "مطلوب متخرّج من الجيش" (للقبول في بعض الوظائف)، النظرات التي توجّه إليهم حين يتحدّث أحدهم العربية بجانبك، وغيرها، وغيرها. كان بالإمكان ملء خمسين صفحة بالأمثلة والشهادات فقط.

نعم، لكلّ شيء يمكن إيجاد مبرّر ما. دائمًا. ولكن هنا أنا أسقط، كالجميع، في الفخّ الأول: بدلا من الحديث إلى الصديق/ة العربي/ة، أتحدث عن وإلى اليهود. الحوار الداخلي مجدّدًا، المتعالي، الذي يجري فوق رؤوس المواطنين العرب. وهو حوار مهمّ للغاية، بطبيعة الحال، ولكن هذا ليس ما أريد فعله الآن، وهو أيضًا ليس ما يبدو لي أنّه مهمّ في هذا الوقت.

ولذلك لن أدخل إلى جميع النقاشات المألوفة حدّ الضجر في الوقت الذي أمشي فيه على الألغام الهشّة: هل يقوم ممثّلوهم في الكنيست بعملهم بأمانة (أعتقد أنّه نعم، ولكن ليس الآن)، هل من الملائم أن تتقدّم الأغلبية إلى الأقلية بالمزاعم والمطالب (أعتقد أنه نعم، ولكن فقط إذا كان منطلق ذلك هو الإنصاف والجوّ الذي ليس مجرّد عصا وجزرة وإنما الشراكة)، النكبة: نعم أم لا، (بالطبع نعم. ماذا، لا؟)، وبالطبع العبارة الأفظع، والتي تتكرّر مرارًا: في سوريا لم تكن تجرؤ على الحديث هكذا، في مصر كانوا سيفعلون بك كذا وكذا، اذهب إلى غزة إلخ (نحن لسنا سوريا ولا مصر).

ولن أجادل (مجدّدًا) بادّعائي بأنّ الدمج الكامل للعرب في المجتمع من شأنه أن يرفع هذه البلاد إلى ارتفاعات لم نرها بعد، كالذي رأيناه مع القدوم إلى البلاد في سنوات التسعينات بل وأكثر، هناك الكثير من الطاقة في انتظار الانفجار، وهناك الكثير من المواهب التي تسعى للتعبير. كلّ من كان يتعالج يمكنه فقط أن يتخيّل ماذا كان سيحدث لو أنّ المواطنين العرب اندمجوا في منظومات أخرى وأغنوها كما فعلوا في منظومة الصحّة.

ولكن في الحقيقة، ليس اليوم. أن نأتي بمزاعم ومطالب من جمهور يسمع كلّ اليوم دعوات مروّعة بموته، فهذا ليس أقلّ من كونه وقاحة ونفاقًا. يمكن لذلك تمامًا أن ينتظر.

المظاهرة في ميدان رابين وسط تل أبيب (Tomer Neuberg/FLASH90)

المظاهرة في ميدان رابين وسط تل أبيب (Tomer Neuberg/FLASH90)

ج. أريد أن أخبرك، صديقي/تي العربي/ة: من يختار أن يترك؛ فلا معنى لذلك، من يختار الانعزال والانسحاب؛ فهنا أيضًا لا يوجد لدينا الكثير لنقوله ضدّ ذلك. كلّ واحد منّا كان سينسحب أو يهرب.

ولكن أخي، أختي، ربّما رغمّ كل ذلك تبقى؟ ربّما تبقين؟ ليس لديّ فكرة في حياتي عن السبب، وكما هو معلوم، حتى المزاعم الأكثر إقناعًا ليست في جعبتي، نحن في هذا المكان معًا وفي هذه القصة، وهنا المكان والقصة هم شيء واحد. لا أنا ولا أنت سنذهب إلى أي مكان. إنّ مصائرنا متشابكة. في نهاية المطاف، نحن واحد، ليس لنا مستقبل آخر سوى المستقبل المشترك.

لن يبدأ غدًا في الصباح، على ما يبدو وللأسف الشديد، ويبدو أيضًا ليس بعد الأعياد القريبة، ولكن لا مفرّ منه، وقد يكون جيّدا. كلّ خيار آخر فهو خيالي، وذلك دون الدخول للتفاصيل مثل دولة جميع مواطنيها، دولتَين لشعبَين أو الترحيل أو ثلاثة دببة لزهاقا أو سبعة أقزام لسندريلا من الأمم المتحدة. حقّا لا يهمّني جميع ذلك. أعلم أنّ هذا مهمّ، ولكن ولأنّ النقاش حوله يُستخدم فقط كذريعة لعدم فعل أيّ شيء؛ فما الذي يجعلني أتناوله بجدّيّة؟

من الواضح لنا جميعًا أنّ الحياة المشتركة أو التعايش أو أيّا كان اسم ذلك؛ ليس شيئًا يحدث من أنفسنا. التعايش: بالتأكيد ليس في هذه المنطقة، وبالتأكيد ليس في هذا الوقت، وبالتأكيد ليس بين شعبينا الأحمقين، فهو ليس أمرًا سهلا. إنّه أوركيد، ينبغي تدليله، الحفاظ عليه، إعطاؤه ظروفًا جيّدة حتى يزهر ويقوى، أن نسيّجه، أن نحميه ممّن يريد قتله. لا أستطيح التفكير بطريق آخر، ولكنّني سأسعد بسماع الأفكار.

حتّى أنّني في الحقيقة أجرؤ على طلب المزيد: لا تبقوا "فحسب"، بل انتخبوا للكنيست، للبلديّات، ادخلوا اللعبة وغيّروها. أنتم 20%، أدخِلوا 20 عضو إلى الكنيست.

د. وإليكم أيها اليهود: يدّعي كتّاب عرب قديرون - بعضهم ذُكر أعلاه - أنّ العربي يظلّ دومًا عربيّا. وأنا أقول عن ذلك: صحيح جدّا. وهذا هو الجمال! كما أنّ اليهودي بالنسبة إليهم سيبقى دومًا يهوديّا، وهذا جيّد. الجميع يقول: تعالوا نعزّز المشترك، الذي يوحّدنا. ولكنّني أقول: ربّما لا؟ فهذا لم يعمل، ومن يدري ماذا حتى الآن، إذن فبرّما نشدّد على الذي يفرّقنا، ربّما نثني على التعدّد، أو على الأقل نتقبّله؟ لا يمكن ألا نقوم بذلك.

أنت عربي، أنا يهودي؛ رائع للغاية بالنسبة لي. أين نوقّع؟

نُشر هذا العمود للمرة الأولى في موقع "جلوبس". درور فوير هو صحفي، محرّر، مدوّن، كاتب عمود في صحيفة جلوبس وناشط يساري اجتماعي وسياسي يُعتبر من مؤسّسي اتحاد الصحفيين في إسرائيل.