الذي كان يرأس الموساد يومًا، الجهاز الذي يلهب خيال الناس في جميع أنحاء العالم، تقاعد عام 2011 ويتحدث الآن عن قصّته. في محادثة رائعة أجراها مع عالم النفس البروفسور يورام يوفيل، في إطار برنامجه "حديث النفس"، يشاركنا داغان بقصة حياته الرائعة: بدءًا بالهروب من النازيين في الهولوكوست مرورًا بالعلاقات داخل الأسرة وصولا إلى قمة العمل الأمني في إسرائيل، رئاسة الموساد.

كل من دخل إلى مكتب مئير داغان في الفترة التي تولّى فيها منصب رئيس الموساد، شاهد فورًا الصورة الشهيرة التي يظهر فيها جدّه وهو يركع على ركبتيه قبل لحظة من إطلاق النار عليه من قبل جندي نازي حتى الموت. وُلد داغان نفسه في قطار، حين هرب والداه من النازيين من بولندا إلى روسيا. رغم أنّه علم طوال حياته بأنّه نجا ووالداه من الهولوكوست، فالموضوع لم يُطرح في المنزل أبدًا، ولكنّه أثّر دون شكّ على حياته.

هاجر إلى إسرائيل في سنّ الخامسة مع والديه وسائر "أبناء أسرته"، والذين لاحقًا فقط اكتشف أنهم مجموعة من الأفراد اليهود الذين تجمّعوا معًا بعد أن فقدوا أسرهم في الهولوكوست وشكّلوا أسرة بديلة. لم يرموا الطعام في المنزل أبدًا، وحتى اليوم، فهو يعترف أنّه يشعر بألم في صدره حين يفعل ذلك.

صورة جدّ داغان المشهورة

صورة جدّ داغان المشهورة

بدأت مسيرته إلى القمّة الأمنية لإسرائيل حين كان في سنّ 18، حيث التحق حينها بالجيش. يقول إنّه لم يخطّط أبدًا سيرة مهنية عسكرية، ولكن في نهاية المطاف بقي في الجيش 33 عامًا، حتى وصل إلى منصب لواء. "حدثت الأشياء تلقائيًّا"، كما يقول. "مشيت وراء ميول قلبي... في كلّ مرة قرّرت فيها البقاء لعام آخر، وعام آخر. وجدت نفسي أنجذب لذلك وأُنسحب إليه".

أصيب خلال خدمته بإصابة بالغة في كلتا رجليه بعد أنّ سار في سيّارة الجيب التي كان فيها فوق لغم، وهي الإصابة التي استخدم بعدها، حتى اليوم، عصًا للمشي. حين يسأل عالم النفس داغان ماذا بقي معه من تلك الفترة، يقول بابتسامة "قبل كلّ شيء زوجتي"، والتي تعرّف عليها حين كانت تعمل كممرضة في المستشفى وعالجته بعد إصابته. ويقول أيضًا إنّه يذكر أنّ كل ما أراده هو العودة إلى كتيبته، وفعلا لم يمض وقت طويل، حتى عاد وهو لا يزال في الجبس. "كان صعبًا جدّا عليّ أن أقبل إعاقتي"، كما يقول. "ولكنّني من أولئك الذين لا يستسلمون. لم أترك ذلك يوهن عزيمتي".

وفعلا، لم يستسلم داغان، واستمر في التسلّق بسلّم الرتب القيادية، حتى وصل إلى رتبة لواء. عُيّن عام 2002 رئيسًا للموساد، وتولّى المنصب حتى عام 2011. وقد نُشر أثناء تولّيه للمنصب أكثر من مرّة عن خصومات وعدم توافق بينه وبين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وأيضًا مع من تولّى حينذاك منصب وزير المالية، إيهود باراك، ولكنّه حين سُئل، فقد حرص على التأكيد على أنّ الأمر لم يؤثّر على المنصب في الحقيقة.

نتنياهو وباراك: لم يتفقا مع دغان (Flash90/Avi Ohayon)

نتنياهو وباراك: لم يتفقا مع دغان (Flash90/Avi Ohayon)

"من المهم أن يكون واضحًا بأنّ متّخذ القرارات هي القيادة السياسية فحسب. لا يجوز أن يكون هناك شكّ في ذلك، ولي أيضًا لم يكن. أستطيع أن أقول من جهتي أنّني عبّرت عن رأيي أمام رئيس الحكومة بأكثر طريقة ممكنة للحسم، حتى عندما لم يكن هناك اتفاق. أعتقد أنّه من لا يفعل ذلك فهو يسيء لوظيفته". في نهاية المطاف أنهى داغان تولّيه لمنصبه وهو يحظى بمديح من الكثيرين على إدارته للتنظيم وتطويره.

وهو يذكر بشكل إيجابي تعامل هذين الرجلين معه بعد أن علم بأنّه مرض وعليه أن يتعالج. لقد هرعا فورًا، جنبا إلى جنب مع رئيس الدولة والكثيرين غيرهم، لمساعدته وقاموا بكل ما يستطيعون لمساعدته. "أقدّر ذلك تمامًا لرئيس الحكومة، الذي عرف كيف يضع الخلاف جانبًا، وقام بمساعدتي كإنسان".

اكتشف المرض عندما تلقى نتائج اختبارات الدم الاعتيادية. "حين شاهد البروفسور نتائج الاختبارات رأيت وجهه قد احتدّ بشكل مفرط. ثم اجتزت اختبار الموجات فوق الصوتية. حين رأيت وجوههم طلبت أن يخبروني بما يحدث، ولكنهم أصرّوا أنّ يخبرني بذلك طبيبي الشخصي. وقد قام بذلك فعلا، بوضوح وبساطة، وعلى هذا أنا في غاية الامتنان له. قال لي مباشرة: اسمع، لديك سرطان، ورَمان في الكبد، والطريقة الوحيدة للعلاج هي الزرع. هذا هو".

دغان في حفل استقالته من منصب رئيس الموساد (IDF)

دغان في حفل استقالته من منصب رئيس الموساد (IDF)

يقول داغان أنّه بموجب تعابير وجوه الأطبّاء قد خمّن النتائج قبل أن يتلقّاها من طبيبه الشخصي. "في طريقي إلى مكتب طبيبي كان لديّ وقت للتفكير"، كما يقول عن تلك اللحظات الصعبة. "قلتُ لنفسي إنّ أول شيء أحتاج أن أعرفه إذا ما كان هناك شيء للقيام به.  إذا لم يكن هناك شيء للقيام به، أذكر أنني فكّرت بأنّني أفضّل بأن ينتهي ذلك بأسرع وقت ممكن. لم أرغب بأن يصل ذلك إلى حالة يفقد فيها المرء نفسه. فكّرت في أن أودع كما ينبغي الأسرة، الأولاد والأحفاد، وأنهي حينها هذا الأمر بأسرع وقت ممكن".

في نهاية المطاف، بعد معركة قاسية مع البيروقراطية الإسرائيلية والأمريكية التي لم تمكّنه من اجتياز عملية الزرع التي طال انتظارها، اجتاز داغان العملية في روسيا البيضاء بسرعة وكفاءة، ثمّ انتقل إلى فترة نقاهة طويلة. وإجابة على سؤال عالم النفس يقول إنّ تلك الفترة قد عزّزت لديه الوعي لكونه سيموت، وأيقظت لديه الأفكار حول جميع "النهايات" التي أبقاها مفتوحة". ولكن لم يتيقّظ لديه الخوف من الموت بشكل خاص، كما يقول. "حين تكون جنديّا لوقت طويل، فهذا جزء من تجربتك.. أنت منشغل طوال الوقت بالحياة والموت".

وقبيل انتهاء الحديث سُئل داغان إذا ما درس خيار الدخول في السياسة، وهو سؤال يُطرح دائمًا في المقابلات من هذا النوع. "في الحقيقة"، كما يقول، "لم أرغب يومًا في أن أكون سياسيّا. شاهدت ماذا فعل ذلك ببعض أصدقائي. لم أرغب بأن أعيش المعضلات اليومية، لا أعتقد أنّ نمط الحياة هذا يناسبني، ولا أفكر بأنّني ملائم لوظيفة كهذه".

إذا كان الأمر كذلك، فيبدو أنّ داغان سيستمرّ في نشر تحليلاته وتفسيراته، بالإضافة إلى الانتقادات التي لم يوفّرها حتى الآن على القيادة السياسية، للإعلام من منزله الشخصي ومن استديوهات الأخبار، وليس من مكاتب صنّاع القرار.