لم يصبح وزير الدفاع المصري السابق ورئيس الجمهورية الحالي عبد الفتاح السيسي بعد شخصية معروفة خارج مصر. فإضافة إلى الاجتماع الثنائي الذي عقده مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما في أواخر أيلول/سبتمبر، استغلت الحكومة المصرية حضور السيسي الجمعية العامة للأمم المتحدة لترتيب سلسلة من الاجتماعات مع المحللين والمثقفين وقادة الأعمال وجماعات المصالح الأمريكية بهدف تقديم رئيس البلاد الجديد إلى فئات من الجمهور الأمريكي ذات التأثير على العلاقات الأمريكية المصرية. مع ذلك يبقى السيسي موضوع تقارير متعارضة ومتناقضة. على سبيل المثال، الرئيس المصري هو خصم لجماعة "الإخوان المسلمين" المصرية، ولكنّه في الوقت عينه معروف بكونه مسلمًا تقيًا عيّنه الرئيس السابق محمد مرسي لتولي منصب وزير الدفاع كجزء من جهود مرسي لإحكام السيطرة بشكل أكبر على الجيش. وفيما يلي محاولة من دبلوماسي أمريكي، حظي بفرصة حضور عدد من الاجتماعات مع السيسي خلال العام الماضي، لتقديم بعض الملاحظات حول أحد أبرز قادة الشرق الأوسط الصاعدين.

أولًا، السيسي هو وقبل كل شيء ابن الجيش المصري، حيث أمضى معظم حياته المهنية منذ أن أصبح طالبًا عسكريًا في عمر 15 عامًا. ومثل معظم كبار ضباط الجيش المصري، يتحدر السيسي من عائلة مسلمة تقليدية من الطبقة الوسطى، على الرغم من أنه، وخلافًا للعديد من الضباط الذين نشأوا في قرى منطقة دلتا النيل، وُلد السيسي ونشأ في القاهرة، أولًا في حي الجمالية من القاهرة الإسلامية الذي اشتهر في "ثلاثية القاهرة" للأديب نجيب محفوظ، لتنتقل أسرته في وقت لاحق إلى مصر الجديدة، ضاحية المدينة الحديثة، حيث لا يزال يعيش.

"ابن الجيش المصري". الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)

"ابن الجيش المصري". الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)

مما لا شك فيه أن جاذبية السيسي بالنسبة إلى الكثير من المصريين تكمن جزئيًا في قدرته على التواصل مباشرة بلغة عربية عامية حيّة، حتى مع إتقانه اللغة العربية الفصحى البليغة التي يتحدث بها في المناسبات الرسمية. إضافة إلى ذلك، فإن موقفه تجاه الإسلام، كما أوضح سرًا وعلانية، يتجلى في أنه مؤمن تقليديّ مرتاح في تدينه في حياته اليومية إلا أنه يرفض التسييس الجاري للدين من قبل الدعاة والحركات الإسلامية. وتجدر الإشارة إلى أنه عندما عيّن الرئيس السابق مرسي السيسي وزيرًا للدفاع في آب/أغسطس 2012 ليحل مكان المشير محمد حسين طنطاوي، سرت الشائعات، الخيالية كعادتها في القاهرة، القائلة بأن السيسي كان في الواقع مؤيدًا سريًا لجماعة الإخوان المسلمين. وفي خلال أقل من عام، أمر السيسي باعتقال مرسي وغالبية قيادات الإخوان المسلمين. ويصر السيسي الآن على أن جماعة الإخوان المسلمين هي منظمة إرهابية وهي المصدر الأصلي للإرهاب الإسلامي المتطرف، ولكن في البداية حين كان وزيرًا للدفاع، بدا وكأنه يرى الجيش كوسيط بين مرسي و"الإخوان المسلمين" من جهة وبين الأحزاب السياسية المصرية غير الإسلامية من جهة أخرى. ومع فشل جهود الوساطة هذه وتحول العنف في الشوارع إلى أمر روتيني، بدأ الجيش يصدر بيانات تقول إنه" لن يسمح بدخول مصر في نفق مظلم." ويشدد السيسي في هذا السياق على أن الجيش أطاح بمرسي لتجنب حرب أهلية، ولكن بحلول ذلك الوقت بدا جليًا أن جماعة الإخوان المسلمين تنظر أيضًا إلى السيسي والجيش باعتبارهما عدوها الأساسي. ويُذكر أن مرسي ارتكب العديد من الأخطاء خلال توليه الحكم، ولكن مما لا شك فيه أن أكبر خطأ فادح في الحكم ارتكبه كمن في النظر إلى السيسي باعتباره متعاطفًا محتملًا مع الجماعة نظرًا إلى شهرته بالتقوى.

على الرغم من التوترات الجديدة في العلاقة بين مصر وحماس، وفي ظل غياب أي تقدم ملحوظ بين الإسرائيلين والفلسطينيين، يبدو أنه من غير المرجح أن يؤدي التعاون الأمني ​​الجديد إلى ظهور علاقة سياسية أكثر ودية وعلانية مع إسرائيل

أما في ما يخص بروز تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام،" فيحث السيسي الحكومات الغربية على البحث عن مراكز التجنيد العاملة في أوساط المجتمعات المسلمة في الغرب وإغلاقها. ففي هذا السياق، يصرّ السيسي على أن حملة الجيش المصري ضد الإرهاب في شبه جزيرة سيناء وربما على الحدود في ليبيا تندرج في إطار الحرب ضد التطرف الإسلامي عينها التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام." رد السيسي بحزم على الهجوم الذي شنّه جهاديون بتاريخ 24 تشرين الأول/أكتوبر على موقع عسكري مصري في شبه جزيرة سيناء والذي أسفر عن مقتل 30 جنديًا على الأقل. وأتى ردّ السيسي عبر إعلانه فرض حالة طوارئ في بعض المناطق من شمال سيناء، واتهامه قوى أجنبية لم يسمها بدعم الهجوم، كما توعد بشن "حرب شاملة" ضد الإرهاب. يُشار هنا إلى أن التدخل المصري في ليبيا الذي جرى الإعلان عنه في وسائل الإعلام، في حين نفته الحكومة المصرية رسميًا، يمثّل على الأرجح تغييرًا جديدًا عن السياسات الحذرة تجاه التهديدات الأمنية العابرة للحدود التي أتبعها الرئيسين السابقين مبارك ومرسي كما وزير الدفاع السابق محمد طنطاوي، مما يدل على جدية القيادة المصرية الجديدة في تعاملها مع التهديدات التي يطرحها الإرهاب والتي تبرز من خلال وجود جماعات إرهابية مسلحة في سيناء وفي صحراء ليبيا التي لا تخضع للحكم.

بالتوافق مع وجهة نظر الأزهر الشريف في مصر، يصرّ السيسي على أن المجموعات المتطرفة تستغل الدين والأفكار الدينية لأغراض سياسية، ولكنها لا تمثّل فهمًا صحيحًا للإسلام. في الوقت عينه، يعتبر أن المجال متاح أمام جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الإسلاميين غير المشاركين في أعمال العنف للانضمام إلى العملية السياسية. يُلاحظ هنا أن جهود المصريين وغيرهم لتعزيز الحوار بين حكومة السيسي وبعض النواب المتبقين من جماعة الإخوان المسلمين أو أنصار مرسي الآخرين لم تؤدِ إلى نتيجة حتى الآن، ولكن سيكون مثيرًا للاهتمام مشاهدة إلى أي مدى سيُسمح للإخوان المسلمين وغيرهم من مؤيدي مرسي بالمشاركة في الانتخابات المقبلة كمستقلين، أو إذا كانت الجماعة ستقرر مقاطعة العملية الانتخابية بشكل تام.

لقد أوضح السيسي أن أولوياته كرئيس للبلاد تتجلى في إعادة بسط النظام وإنعاش الاقتصاد. وتشير تصريحاته حول الاقتصاد المصري إلى إدراكه بأن نظام الدعم الحالي غير مستدام، بالتالي كانت أول مبادرة له كرئيس تنفيذ سلسلة من إصلاحات الدعم التي خطط لها اقتصاديون مدنيون بدقة. إن علاقة السيسي بنخبة رجال الأعمال المصرين ستكون مفتاحًا يحدّد إمكانية نجاح سياساته الاقتصادية. ويظهر في بعض تصريحاته على أنه يعتقد بأن الجيش يجب أن يستمر في لعب دورًا فاعلًا على الصعيد الاقتصادي، لا سيما في مجال تطوير البنية التحتية. ونظرًا إلى خلفيته العسكرية وإلى تعليمه، سيحتاج إلى المشورة الاقتصادية من الدرجة الأولى للوصول إلى السياسات الصحيحة. ولقي طموحه، الذي يقوم على توسيع قناة السويس، استحسان الجمهور المصري، وذلك يعود على الأرجح إلى رمزية المشروع الوطنية أكثر من جدواه الاقتصادية.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الفلسطيني محمود عباس (AFP)

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الفلسطيني محمود عباس (AFP)

من جهتها، فإن المصالحة السياسية ليست على رأس جدول أعمال الرئيس المصري، ففي بيئة وطنية شديدة الحساسية والسائدة حاليًا في مصر، يعتبر العديد من المصريين أن مصطلح "المصالحة" محظور لأنه يحمل في طياته فكرة بقاء الإخوان المسلمين شريكًا شرعيًا في الحوار. كما أن الإجراءات الصارمة التي تتخذها الحكومة بحق المعارضة السياسية، بما في ذلك إدانة صحافيي قناة الجزيرة وعدد من النشطاء البارزين اليساريين والليبراليين، أسفرت عن توجيه انتقادات دولية كبيرة لها. لكن في أوساط المصريين يبدو على الأرجح أن نجاح سياسات السيسي الاقتصادية أو فشلها عامل سيلعب دورًا أكبر في تحديد ما إذا كان سيتمكن من الحفاظ على الدعم الشعبي. فعلى عكس الرئيس السابق مبارك، يعلن السيسي بصراحة عن التغيير الجذري في العلاقة بين حكّام مصر ومواطنيها. إذ نُقل عن السيسي قوله لمجموعة من البرلمانيين الفرنسيين "إذا قرر الشعب المصري أنه لا يريدني، سأذهب." بغض النظر عما إذا كان قوله هذا صادقًا أم لا، فهو يمثل اعترافًا مثيرًا للاهتمام بأنه لم يعد بإمكان الحكام المصريين اعتبار الشرعية الشعبية أمرًا مفروغًا منه.

منذ الإطاحة بالملك فاروق في تموز/ يوليو 1952 من قبل مجموعة من الضباط العسكريين، تولى العسكريون حكم مصر لسنين عديدة إلا في فترة رئاسة مرسي التي دامت لسنة واحدة فقط. يتناسب السيسي مع هذا النمط من نواحٍ عدّة، ولكن من نواحٍ أخرى قد يمثل شخصية انتقالية. فهو خريج كلية الحرب التابعة للجيش الأميركي في كارلايل بولاية بنسلفانيا، ويتحدث بدفء عن السنوات العديدة من تعاونه الوثيق مع الجيش الأميركي، أي أنه النقيض الواضح للطنطاوي المدرب على أيدي السوفيات، والذي كان سلفه مباشرة في منصب وزير الدفاع. مع ذلك فهو أيضًا قوميّ يعتز بانتمائه ويصرّ على أن مصر تحتاج إلى تطوير علاقاتها مع القوى الأخرى، مثل روسيا والصين. وبالطبع، جعل السيسي من استعادة العلاقات التاريخية التي تربط مصر بشكل وثيق بالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ضرورة استراتيجية.

لكن على الرغم من التقارير الإعلامية المتكررة حول صفقة أسلحة ضخمة جديدة مع روسيا، يبدو أن اتصالات السيسي بموسكو حتى الآن هي عبارة عن مسألة استكشاف خيارات أكثر من كونها تشكل تحولًا استراتيجيًا، كما أن المتحدثين باسم الحكومة المصرية صرحوا مرارًا وتكرارًا أن مصر لا تسعى إلى استبدال شريك بآخر. إضافة إلى ذلك، فقد تم التأكيد على تعاون السيسي الأمني الوثيق ​​مع إسرائيل في سيناء وعلى تفهمه لمخاوف إسرائيل الأمنية في غزة من خلال تقدير خاص من الجيش المصري والاستخبارات المصرية لموقف إسرائيل الداعم. دفع هجوم 24 تشرين الأول/أكتوبر في سيناء بالحكومة المصرية إلى تأجيل استضافة المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية حول قطاع غزة التي كان من المقرر عقدها في القاهرة. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى المزيد من التعاون الأمني وراء الكواليس ما بين إسرائيل ومصر.

ولقد أشارت الحكومة المصرية إلى أنها تشك في تورط جماعات فلسطينية في غزة في الهجوم الذي شهدته سيناء، إلا أن أساس التهم الموجّهة إلى هذه المجموعات ليس واضحًا. وعلى الرغم من التوترات الجديدة في العلاقة بين مصر وحماس، وفي ظل غياب أي تقدم ملحوظ بين الإسرائيلين والفلسطينيين، يبدو أنه من غير المرجح أن يؤدي التعاون الأمني ​​الجديد إلى ظهور علاقة سياسية أكثر ودية وعلانية مع إسرائيل.

حتى ولو لم تعد مصر دولة تابعة للولايات المتحدة، فإنها تبقى بمثابة جائزة استراتيجية وعنصرًا رئيسيًا للاستقرار في الشرق الأوسط. فعلى مدى السنوات القليلة المقبلة على الأقل، سيحدد مصير السيسي وسياساته على الأرجح الاتجاه الذي ستتخذه البلاد.

نشر هذا المقال لأول مرة على موقع منتدى فكرة.