رئيس دولة إسرائيل، رؤوفين ريفلين، لا يتصفح الإنترنت. لم يتصفّح أكثر من اللازم قبل انتخابه لمنصب الرئيس العاشر لدولة إسرائيل، وحتى في هذه الأيام المضطربة التي تمر على إسرائيل، وخصوصا بعد الأعمال الإرهابية اليهودية وحرق الرضيع الفلسطيني، علي دوابشة، حتى الموت، فهو لا يتصفّح الإنترنت، لا في الحاسوب ولا في الهاتف، لا يدخل إلى مواقع التواصل الاجتماعي ولا يكتب ردا فيها.

ريفلين يؤدي صلاته (Facebook)

ريفلين يؤدي صلاته (Facebook)

هناك من سيقول إنّ الرئيس نفسه لم يكن واعيا لعدد المعارضين لتصريحاته التصالحية ومعارضته الشديدة للأعمال العدائية التي نفذها أشخاص ينتمون إلى اليمين الإسرائيلي المتطرف بالفلسطينيين. لاحظ المسؤولون في مكتبه موجات التحريض ضده في مواقع التواصل الاجتماعي وقدّموا شكاوى في الشرطة ضدّ هذا التحريض الشديد.

ريفلين يساري؟ ريفلين يميني؟

صور تحريضية للرئيس الإسرائيلي ريفلين بزي فلسطيني (Twitter)

صور تحريضية للرئيس الإسرائيلي ريفلين بزي فلسطيني (Twitter)

في 28 تموز عام 2014، بعد أربعة أيام من مراسم أداء اليمين المتواضعة التي أجريت له في ظلال الحرب في غزة، رفع أعضاء فريق ريفلين الجدد في صفحته على الفيس بوك المنشور الرئاسي الأول - وهو تهنئة لمواطني إسرائيل المسلمين بمناسبة صيام شهر رمضان: " يُقاس أبناء ابراهيم, اسحاق واسماعيل, بقدرتهم على احترام ايمان كل منهم للآخر وذلك أيضاً في هذه الأيام الصعبة والمليئة بالدماء. في هذه الايام تتعزز قناعتي أكثر وأكثر أن بناء الثقة , ليس فقط بين القادة, بل أيضًا بين الشعوب التي تعيش هنا, هو شرط ضروري لقدرتنا على تأسيس حياة من الأمل والمستقبل المشترك. تأسيس هذه الثقة يتطلب الإصغاء والحوار المتواصل والدؤوب وفهم أحدنا للآخر. يتوجب علينا نحن أبناء ابراهيم, أن نعيش بتفاهم لأنه لم يفرض علينا أن نعيش مع بعضنا البعض فقط بل نحن خُلقنا لنعيش مع بعضنا البعض"، كما جاء في الفيس بوك. وخُتم المنشور: "بانتظار أيام مليئة بالتفاهم والحوار, بين الأفراد وبين الشعوب. نأمل ان نتعلم من فضائل الرب الغفور الرحيم‏‎.‎‏عيد مبارك, عيد سعيد".

المنشور الذي اعده ريفلين على صفحتع الشخصية على الفيس بوك (لقطة شاشة)

المنشور الذي اعده ريفلين على صفحتع الشخصية على الفيس بوك (لقطة شاشة)

انتشر المعقّبون فورا. خلال دقائق ظهر مشهد من النوع الذي تستدعيه هذه الفترة، ولكننا لا نزال مندهشين بأن نرى: الرئيس العاشر لدولة إسرائيل يتلقى الشتائم على الفيس بوك. بعضها لم يعد موجودا هناك، ولكن بقيت وصمة العار على الحائط ممثّلة بتعقيبات مواطنين آخرين، صُدموا من العدوانية تجاه الرئيس الجديد.

يمينيون واضحون، من أعضاء حزب ريفلين سابقا، حزب الليكود، لا يصدّقون ما تسمع آذانهم ولا يصدّقون ما يُذاع في نشرات الأخبار عن زميلهم. ريفلين الذي دعا على مدى سنين إلى وجود دولة إسرائيل الكاملة وعارض بشدّة تقسيم البلاد، يقف وينعى موت رضيع فلسطيني، يزور كفر قاسم ويشارك في مراسم إحياء ذكرى مجزرة كفر قاسم، يشجّع الزواج المختلط بين الأديان بين العرب واليهود، ويدافع بشدّة عن القيم الليبرالية الأكثر تطرّفا.

ومع كل ذلك محبوب؟

ريفلين محبوب الشعب الإسرائيلي (Facebook)

ريفلين محبوب الشعب الإسرائيلي (Facebook)

وفقا لاستطلاع نُشر في صحيفة "هآرتس" (29.05.2015) فالرئيس ريفلين هو الشخصية العامة الأكثر شعبية في إسرائيل. بخلاف العناوين، التي أبرزت تأييد اليساريين الكبير لريفلين، اتضح أنه شعبي جدا أيضًا في أوساط ناخبي اليمين: 81% من ناخبي البيت اليهودي يؤيدونه، و 71% "فقط" من ناخبي الليكود.

رؤوفين ريفلين يضع اكليلاًمن زهور على ضريح شهداء كفر قاسم (Facebook)

رؤوفين ريفلين يضع اكليلاًمن زهور على ضريح شهداء كفر قاسم (Facebook)

ومع ذلك، ففي الأشهر الأخيرة يدير اليمين المتطرف (وأيضا الأقل تطرّفا) حملة تحريض ضدّ الرئيس في مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تشمل اتهامات بـ "اليسارية"، "الخيانة"، "طابور خامس" ووصفه كـ "رئيس العرب". يبدو أن الكراهية الحارقة ضدّ ريفلين تعتمد على الخوف والغضب الذي تثيره في أوساط معارضيه حقيقة أنّه لا يزال يوجد جزر ليبرالية في اليمين؛ كذلك الذي يدعو إلى المساواة في الحقوق مع مواطني إسرائيل العرب، والذي يتبنى قيم وثيقة استقلال دولة إسرائيل.

وإذا لم يكن الخضمّ السياسي الذي يمرّ به ريفلين واضحا حتى الآن، فالقضايا التالية ستزيد من تعقيدكم. في شهر شباط هذا العام، أجرى ريفلين زيارة رسمية أولى لمستوطنة كريات أربع وللاستيطان اليهودي في الخليل. كانت الزيارة تحت حراسة مشدّدة وأمام اعتصام لمنظّمات يسارية، صلّى ريفلين في الحرم الإبراهيمي. شدّد في كلمته على "حق الشعب اليهودي بالخليل"، وأضاف دعوة للحوار مع سكان المدينة الفلسطينيين. صرخت منظمات اليسار: "ريفلين محتال".

أشار ريفلين، الذي صرّح بأن الخليل هي "المكان الذي تأسس فيه حقّ الشعب اليهودي على هذه البلاد"، والذي زار كما ذكرنا أجزاء المدينة اليهودية فقط، إلى حقيقة أنّ "الخليل هي مدينة مقسّمة، مدينة ليست سهلة..."، وأضاف بأنّ "الواقع قد أنشأ في الخليل أوضاعا صعبة، سريالية تقريبًا".

ريفلين يزور المستوطنات فب الخليل (Facebook)

ريفلين يزور المستوطنات فب الخليل (Facebook)

لم تكن زيارة المكان مفاجئة: فقد أوضح مقرّبو ريفلين أنّ الرئيس يكرّس المشروع الاستيطاني في كل خطاباته، ولكنه سيعمل في المقابل لضمان رفاهية سكان القدس الفلسطينيين.

يكرّس ريفلين جزءًا كبيرا من وقته للتقريب بين الأوساط المختلفة في المجتمع، وبشكل أساسي لاستعادة ثقة الوسط العربيّ. يشير الكثير من العرب الإسرائيليين، بأنّهم يشعرون وللمرة الأولى بأنّ رئيس الدولة هو أيضًا "رئيسهم"، وبأنّ ريفلين يعتبرهم شركاء حقيقيين للحياة المشتركة في البلاد.

منذ توليه منصبه كرئيس لدولة إسرائيل من المثير للعجب أنّ ريفلين لا يمكنه الانتصار: فبالنسبة لليمينيين، فإنّ تأييده لمبادئ الديمقراطية والليبرالية، بالإضافة إلى معارضته الشديدة للعنصرية؛ تُفهم على كونه يساريا متنكّرا، في حين أنّه بالنسبة لليسار فإنّ ريفلين، الذي تطابق مواقفه الأمنية مواقف اليمين التقليدية بكل معنى الكلمة (المعارضة التامّة لتقسيم البلاد)، يعتبر يمينيّا بحتا.

إذا أردنا ذكر الحقيقة، فكما أن الحياة ليست أسود وأبيض وليست ثنائية وإنما واقع مشبع بالتنوعات، دون وجود حقيقة مطلقة، وهكذا أيضًا يحاول ريفلين تسويق نفسه. ريفلين يميني، تصحيحي. وهذا نوع جديد: شخصية قديمة في اليمين الإسرائيلي تعارض العنصرية بشدّة، وبنفس القوة والتصميم تعارض تقسيم البلاد. يحاول ريفلين ألا يدع المتطرّفين من كلا طرفي الطيف السياسي (اليمين واليسار) يسيطرون على الخطاب الاجتماعي في إسرائيل. في الأيام التي يسير فيها الكثير من الإسرائيليين بين القطرات، ويغيّر السياسيون آرائهم بانتظام، فإنّ رئيس إسرائيل الجديد قد التصق بمبادئه ولم يتزحزح عنها، حتى لو لم يحظَ الأمر بشعبية.