يجري في هذه الأيام إحياء الذكرى السنوية العشرين لاتفاق أوسلو التاريخي في إسرائيل والسلطة الفلسطينية. قبل 20 سنة، لم يتمكن قادة دولة إسرائيل: وزير الخارجية شمعون بيريس، نائبه يوسي بيلين، ورئيس الحكومة الراحل إسحاق رابين، من توقع خيبة الأمل وانهيار اتفاقات أوسلو على أرض الواقع الصعب في الشرق الأوسط.

وحتى بعد مرور 20 سنة، لا تزال جولة البحث عن حل سياسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين مستمرّة. في هذه الأيام، يستمرّ الجانبان في البحث عن أجوبة، مدفوعَين بضغط أمريكي على أمل تثبيت السلام والأمن طويلَي المدى لشعبَيهما وإنهاء أحد أشدّ النزاعات التاريخية الملطخة بالدماء التي عرفتها المنطقة.

لكن منذ ذلك الحين، تمكّن رؤساء أجهزة الاستخبارات في إسرائيل من التوقّع أنّ الاتّفاق، الذي كان عتيدًا أن يتفجر بصوت صاخب على ضوء الواقع الإسرائيلي - الفلسطيني، ليس جيّدًا. ففي مقابلات مع الإعلام الإسرائيلي، ادّعى مؤخرا قادة الاستخبارات في إسرائيل أنّ اتّفاق أوسلو كان فاشلًا من وجهة نظر تاريخيّة.

وقال رئيس الموساد في تلك الفترة، شبتاي شافيت، في المقابلات، إنّ نبأ بدء الاتصالات السرية في النروج بين الوفود الفلسطينية والإسرائيلية تبلغه من الملك الأردني الحسين في لقاء وجهًا لوجه عُقد في الأردن. فقد أخبر: "في لقاء مباشر في الأردن، طلب منّي الملك الحسين إيضاحًا حول كيفية إدارة مسارَي مفاوضات متوازيَين. لم يكُن قد أطلعني على أي شيء رئيس الحكومة رابين، أو بيريس، أو نائبه بيلين. كان الملك الحسين مصمّمًا، وادّعى أنّ المحادثات بين الفلسطينيين والإسرائيليين جدية إلى درجة أنه قال لي في تصريح استثنائي: "حكمتم عليّ بالإعدام"، كان غاضبًا جدًّا وبشكل مبرَّر".

رئيس الموساد في تلك الفترة شبتاي شافيت (IDF)

رئيس الموساد في تلك الفترة شبتاي شافيت (IDF)

وتابع شافيت نقده اللاذع للعملية، قائلًا: "كان هدف هذا الاتفاق أن يكون خطوة أولى، كبيرة جدًّا، مبدئية، يعقبها السلام الحقيقي. لم يحدث هذا، وليس مهمًّا لماذا. العملية كما جرت لم تكن سليمة. إذا أردتَ أن تذهب لتتحدث إلى عدوك، لا يمكن أن يكون ذلك الشأنَ الخاص لشخصٍ ما. وزير ونائب وزير، بيريس وبيلين، يقودان عملية سياسية - دون الحصول على تفويض الحكومة ومصادقتها".

رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، أوري ساغي (Flash90)

رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، أوري ساغي (Flash90)

ووجّه رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في تلك الفترة، أوري ساغي، هو الآخر نقدًا لاذعًا للاتّفاق، قائلًا: "تتبعنا هذه الخطوات في الإعلام ومن التسريبات التي أخذت تتكدّس. كانت الموادّ حسّاسة جدًّا. بعد الكثير من الإزعاج من جانبي، شاطرني رئيس الحكومة رابين، أنا ورئيس الأركان إيهود باراك، في محادثة غير رسمية بما يجري. أخبرنا رابين: "ثمة عملية، وأنا أثني عليها، وهي تجري بتفويض مني". هكذا بدأ اطّلاعي على الأمور الخفية".

وكشف ساغي أنّ الاستخبارات الإسرائيلية إذّاك كان لديها توجّهان حول الموضوع: "كان ثمة توجه تشاؤمي جدًّا في لواء البحث. وكان هناك توجه آخر مفاده أنه يجب منح الموضوع فرصة، بشروط معيّنة. كان التوجّهان يظنّان أنّ الاتّفاق غير جيّد".

وادّعى ساغي أنّ قادة العملية قرّروا عدم مشاركة رؤساء الاستخبارات، الاستخبارات العسكرية، الشاباك، والموساد، على الأقل في البداية، وهذا إجراء شرعي، لكنه غير حكيم. "حتى اغتيال رابين، أظنّ أنّ الفلسطينيين أرادوا التقدّم في المسار السياسي"، قدّر ساغي.

رئيسَ الشاباك السابق يعقوب بيري (Flash90/Moshe Shai)

رئيسَ الشاباك السابق يعقوب بيري (Flash90/Moshe Shai)

أمّا الشخصية الأكثر تفاؤلًا في أجهزة الاستخبارات إذّاك فكان رئيسَ الشاباك، يعقوب بيري. " لم أُفاجَأ، علمتُ أنّ شيئًا ما يحدُث في إحدى الدول الإسكندنافية. تحدثتُ عن ذلك مع رئيس الحكومة رابين، الذي أكّد لي الشائعات التي وصلتني من مصادر رسمية، شبه رسمية، وأنباء استخبارية"، اعترف بيري. "عشية التوقيع على المعاهدة (12 أيلول 1993)، تلقيتُ اتصالًا من مصدر إسرائيلي، لا أستطيع الكشف عنه لدواعٍ أمنية رغم مرور 20 سنة، وسألني إن كنتُ أدري بالتوقيع الذي كان سيحدث في اليوم التالي. لم أؤكّد ولم أنفِ بالطبع. اتّصلتُ برئيس الحكومة، وأوقظتُه من النوم، إذ إنّ الساعة كانت الواحدة أو الثانية بعد منتصف الليل. سألتُ رابين إن كان يعرف أنّ شمعون بيريس سيقوم بالتوقيع على اتفاق مع الفلسطينيين. طلب منّي رابين بصوته الوقور أن أهدأ وأعود إلى فراشي، ووعدني بالتحدث معي حول التفاصيل في اليوم التالي".

واعترف بيري أنه ظنّ بأنّ اتّفاق المبادئ كان يمكن أن ينجح: "ظننتُ أنّ أوسلو، كاتّفاق إطاريّ وكاتّفاق يضع خطة تدريجية لإنهاء النزاع، يمكن أن ينجح. لكنّ التاريخ كانت له كلمة أخرى".