إحدى ميّزات عمليّ اليَوميّ هي إمكانية اللقاء بأنماط مختلفة من الناس، بينهم كثيرون من المسنّين. أتلذّذ بالتحدّث إليهم، وخصوصًا بالإصغاء إليهم؛ وذلك لأني تعلمتُ أنّ مجرّد جملة تبدو بسيطة لرجُل مُسنّ قد يكمن في داخلها الكثيرُ من الخبرة، الفرح، والألم.

يُطرح مرارًا وتكرارًا في هذه المناقشات موضوع المَوت والخَوف؛ ليس الخوف من الموت، بل الخوف من رحلة طويلة ومشبعة بالألم نحو اللحظة التي لا مفرَّ منها.

أوضح لي المسنّون الذين تحدثتُ إليهم أنّهم سلّموا بحقيقة الموت، وأنهم معنيّون بملاقاته بسكينةٍ ووعي تامّ. وهم يُخبرونني بكلّ صراحة أنّه في حالِ وصلوا إلى وضعٍ يفقدون فيه أهليتهم العقلية، بحيث يصبحون مجرَّد ظلٍّ لأنفسهم، أو في حال كان مشوارهم نحو الموت مُشبعًا بالمعاناة، فإنهم يأملون أن يتمكنوا من إنهاء حياتهم بكرامة. مرّةً تلو الأخرى، أستذكر أملهم بأن يكونوا هُم من يقرِّر إن كانت ستُطال حياتُهم. حتّى إنّ بعضهم يريدون أن يحدِّدوا فعليًّا متى يُنهونها.

معضِلة حرِجة

حتّى وقتٍ غير طويل من الآن، كان هذا مجرّد أمل. وفق القانون الإسرائيلي، فإنّ عدم تقديم علاج لمسنّ غير معنيّ في إطالة حياته يُعتبَر جريمة، يمكن أن تؤدي إلى إدانة الطبيب أو المعالِج بالإهمال، وحتّى بالقتل. عملت جمعيات مختلفة، مثل جمعية ليلاخ، من أجل تمكين المسنّين من طَلب عدم إطالة حياتهم في الحالات الميؤوس منها بهدف منع المعاناة بلا لُزوم، لكن عدا النشاط الإعلامي، لم تُصِب هذه الجمعيات نجاحًا كبيرًا.

لم يتغيّر الوضع سوى عام 2005 حين أُقرّ قانون المريض المشرِف على الموت، قانون بدأ سريان مفعوله عام 2006.  يعرِّف القانونُ الإنسان المشرِف على الموت بأنه الشخص الذي في حال نال علاجًا طبيًّا لا تزيد فترة حياته المتوقّعة عن ستّة أشهر. جاء هذا التعريف للتعامُل مع المعضِلة الحرجة – متى يمكن عدم إطالة حياة إنسان؟ ولكنه يطرح مسائل أخلاقيّة أخرى تتعلق بالحدود: ماذا مع الشخص الذي يُتوقَّع أن يعيش سبعة أشهر، أو ثمانية أشهر؟ هل يجب إطالة حياته، رغم أنه طلب بصراحة عدم فعل ذلك؟

التوجّه العامّ في البلاد هو تفضيل مبدأ قداسة الحياة على حقّ الفرد في الموت بناءً على رغبته. عام 2012، قدّمت النقابة الطبية في إسرائيل استشارة للمحكمة، حيث ذكرت أنّ مبدأ قداسة الحياة هو مبدأ أساسي في الطب والقانون الإسرائيليَّين؛ مبدأ يُعبَّر عنه بقانون المريض المشرِف على الموت. وقد عبّر عن موقفٍ مماثل د. رام يشاي، رئيس النقابة الطبية في إسرائيل سابقًا ومؤسس الجمعية الإسرائيلية للأخلاقيات الطبية، في حُكم شيفر، حيث عبّر عن المعضلة التي يواجهها الطبيب:

يجمع التعبير" الموت بكرامة" بين نقيضَين لأنّ الموت هو الجور الإنساني الأكثر تطرّفًا. تغطّي كلمات كثيرة كهذه أحيانًا وجهات نظر أكثر تصلُّبًا ... لستُ أدعم بالضبط إطالة الحياة في هذا العالم، لكنني أوصي بشدة بعدم اتخاذ قرارٍ بإنهائها بتعسُّف.

يستصعب د. يشاي – شأنه شأن أطباء كثيرين جيّدين – تقبّل فكرة إنهاء حياة المريض، وحتّى بصورة سلبيّة. والسبب واضح: هدف الأطباء هو إنقاذ الحياة.

لا يمكن تجاهل الخوف، الذي ينشأ كثيرًا في نقاشات كهذه، من أن يحوّل قانون المريض المشرِف على الموت عمليّة إنهاء حياة مريض إلى عملٍ سهل وتعسّفي أكثر من اللازم. ومع ذلك، لا يمكنني إلّا تذكّر كلمات إحدى زبوناتي المفضّلات، التي تبلغ من العمر 83 عامًا، والتي تحدّثت عن خشيتها من العيش ككتلة لحمٍ عديمة الوعي. في حالة انهيار الأجهزة الذي يمسّ بقدراتها العقليّة، فإنّها تفضّل الموت، حتّى لو كانت تستطيع العَيش ثمانية أو تسعة أشهر.

لا تزال للفرد حرية التصرف في جسده وحياته

من المهمّ التوضيح، لمنع الإرباك، أنّ "الموت الرحيم" في إسرائيل لا يزال ممنوعًا وفق القانون، وقد قرّرت المحكمة في هذا الشأن أنه لا يمكن إجراء أيّ عمل يؤدي إلى وفاة مريض. مَن يفعَل ذلك معرَّض للمحاكمة بتهمة القتل العمد. الأمر الوحيد الذي يسمح به القانون الإسرائيليّ اليوم هو عدم إطالة حياة شخص خلافًا لرغبته في الظروف المفصَّلة في قانون المريض المُشرِف على الموت. في واقعنا اليوم، يمكن أن تُطال حياة شخص يعبّر صراحةً عن رغبته بعدم إطالة حياته بوسائل طبية إذا كان يُتوقَّع أن يعيش أكثر من ستّة أشهر.

المعضِلات حرجة وواضحة، ويجب الاعتراف أن لا إجابة واحدة، لكن من الواضح أنّ هذه نقطة بحاجة إلى دراسة. ما الأهم بالنسبة إلينا: مبدأ قداسة الحياة أم حقّ الفرد في تحديد الطريقة التي يُنهي بها حياته؟

أردتُ أن أختتم هذه المقالة بطريقة واضحة، لكن خلافًا لعادتي، الأمر صعب في هذه الحالة. لكنّ الإعفاء غير ممكن، لذلك أقول إنّ الشرط لعدم إطالة حياة إنسان حسب رأيي يجب أن يكون العامل الذي لسببه لا يريد إطالة حياته، لا مقدار الوقت المتبقي له. إذا أراد إنسان تجنّب معاناة بلا لُزوم أو وضعٍ يقضي فيه شهوره الأخيرة دون إمكانية التواصُل مع مَن حوله أو معرفتهم، يجب أن يُتاح له عدم إطالة حياته، حتّى إن توقّع الأطباء أنّ بإمكانه أن يعيش ثمانية أشهر أو حتّى عامًا. ألا يحقّ للإنسان أن يتجنّب على الأقل عامًا من المعاناة في حياته؟

*موقع ميدا