لحن مألوف تسمعونه حولكم، والحلم الأجمل يقطعه المنبّه بوحشية. قبل أن تكملوا فتح أعينكم تبدأون بمراسم الصباح المعهودة لديكم، والتي لا يمكن أن يبدأ يوم دونها: وأنتم في السرير تفحصون عدد الرسائل المتراكمة في الفيس بوك، من سيحتفل بعيد ميلاده، ماذا أرسل الأصدقاء في واتس آب، من قام بإعادة تغريد لتغريدتكم الطريفة في الليلة الماضية وما هو التعليق الجديد الذي ينتظركم في إنستاجرام.

تقومون لفرك أسنانكم مع إلقاء لمحة سريعة على المنشورات الساخطة لصديق نهض مبكّرًا، تغلون الماء وفي الوقت نفسه تجرون جولة صغيرة على مواقع الأخبار وتختارون الثياب خلال النظر في رسائل البريد الإلكتروني التي انتظرتكم طوال الليل. تخرجون إلى العالم وإلى يوم جديد مع الكثير من الأخبار في دماغكم، ولا تزالوا تشعرون أنّه ربّما قد فاتكم شيء؟

على ما يبدو فلستم متميّزين بشيء، بل أنتم جزء من القطيع. في استطلاع أجرته شركة Mozy تم نشره في "الديلي ميل" البريطانيّة، اكتشف أن الكثير من العمال وأرباب العمل يفحصون بريدهم الإلكتروني في السرير، وأن أكثر من ثلثهم يقومون بذلك قبل الساعة السابعة والنصف صباحًا.

في الحقيقة، فإنّ الحاجة غير المسيّطر عليها لفحص كلّ جديد في الهاتف الذكيّ الخاصّ بنا تهاجمنا دون توقّف تقريبًا - وفقًا للمعطيات الأخيرة، فإنّ نحو 110 مرات بالمعدّل يوميًّا - حتى ولو في منتصف الليل، حين ننهض بالصدفة وببساطة لا نستطيع أن نقاوم. ويكشف بحث أجراه تطبيق الأندرويد Locket بأنّه في ساعات الذروة من نشاطنا الاجتماعي في الشبكة، بين الساعة 17:00 والساعة 20:00 في المساء، فإنّ وتيرة إلقاء النظر إلى الشاشة يمكنها أن تصل إلى مرّة كلّ ستّ ثوان، ليست أقلّ من ذلك. وقد تحقّقت عيّنة المستخدمين الثقيلين من الهواتف الذكية 900 مرّة في اليوم من أجل معرفة ما هو جديد.

لقد حظيت هذه الهستيريا باسم: FOMO، وتعني: Fear Of Missing Out، وهي خوف اجتماعي من نوع جديد تمامًا: الخوف من تفويت شيء. ويحدث ذلك لأنّ المعلومات العائمة والتكنولوجيا المتاحة، تمكّننا مبدئيًّا من أن نكون على اطّلاع كلّ الوقت وأن نظلّ متواصلين بالأصدقاء القدامى والجدد، ولكن في الطريق يجعلنا ذلك نشعر كلّ الوقت بأنّ شيئًا ما يحدث هنا في الخارج، ونحن ببساطة لسنا جزءًا منه، لأنّنا مشغولون جدًّا بحياتنا اليومية الخاصّة.

هل تعانون من خوف اجتماعي من نوع جديد: الخوف من تفويت شيء ؟ (Thinkstock)

هل تعانون من خوف اجتماعي من نوع جديد: الخوف من تفويت شيء ؟ (Thinkstock)

أصبح هذا الشعور شائعًا جدًّا لدرجة أنّه دخل في قاموس أكسفورد، ولكن على ما يبدو أننا لا نحتاج إلى تفسيره لجيل كامل يحاول التوفيق بين المهامّ اليومية وبين الصراع الميؤوس منه في عدم تفويت أيّ حدث رائع، أيّ حالة ذات أهمية، أيّ فرصة لوضع إعجاب.

وقد أظهرت دراسة نشرت في شهر تموز الأخير في مجلة Computers in Human Behavior، بأنّه كلّما كنّا أكثر استخدامًا للشبكات الاجتماعية، فإنّ القلق من تفويت شيء ما سيتنامى بالمقابل. وقد عبّر المستخدمون الثقيلون الذين أجريت الدراسة عليهم، عن مستوى منخفض من الارتياح في حياتهم الخاصّة.‎ ‎حين لا نرتاح من عالمنا الخاص، كما يبدو، فإنّ الخوف من تفويت العالم الخارجي يزداد فحسب.

ولكن الآن، وبهدوء تامّ، قامت حركة مضادّة سريّة لهذه الظاهرة تسعى إلى اقتلاعها من الجذور. وهي تدعى JOMO Joy Of Missing Out، أي الاستمتاع بالتفويت، وهي تسعى إلى أن تكون منزلا لجميع أولئك الذين يرفعون أيديهم. الانفصال عن التكنولوجيا في لحظات مهمّة، استخدامها بكميات قليلة ما والبدء بالتمتع بالحياة؛ وليس عن طريق كاميرا الهاتف الذكيّ. يزداد أتباع هذه الحركة حول العالم، ولكن التغيير الذي يرغبون في تحقيقه يبدو مستحيلا تقريبًا.

والحقيقة هي إنْ كنت تريد فعلا، يمكنك الانفصال والاهتمام بجودة الحياة. الأعمال التي تركّز على جودة حياتنا وتعطي اهتمامًا خاصّا لأولويّاتنا، لأوقاتنا الخاصّة وللحرية التي نكرّسها لأنفسنا.

الشخص الذي قام بصياغة المصطلح JOMO، هو رجل الأعمال والكاتب النيويوركي، أنيل داش، وهو يعتقد أنّ هذا التيّار يتزايد بسرعة قياسيّة. وقد صاغ المصطلح بعد أن مرّر شهرًا كاملا في منزله، منفصلا عن الشبكات الاجتماعية ومنشغلا في ابنه الذي وُلد للتوّ. وحين عاد للشبكات الاجتماعية فهم أنّه لم يخسر شيئًا في الواقع، ومنذ ذلك الحين فهو يحرص على تفويت الفرص بأقصى حدّ ممكن. وهو يزعم أنّ هذا الاختيار؛ أي عدم الذهاب لحفل رغم وجود الدعوة، عدم المشاركة، وأن تقوم بالفعل بما تشاء دون القلق من احتمال تفويت مناسبة الحياة، جعله يشعر أفضل فقط.

ومع ذلك فإنّ ما نجح أصحاب JOMO في القيام به هو نشر هذا الفيديو على الشبكة، التي ينفرون منها. أصبح الفيديو منتشرًا جدًّا على الشبكة، ونجح في إثارة حوار عميق وجادّ حول محنة الجيل التكنولوجي الجديد، فلا يمكنه أن يعيش حياة طبيعية دون أن يكون محدّثًا.