بعد سنوات من الإشاعات، التخمينات، والمعلومات الجزئية، يخرج أحد الصراعات الحادة داخل القيادة الفلسطينية عن السيطرة، ما يمكن أن يؤدي إلى تدفق المعلومات عمّا يجري داخل السلطة، لا سيّما حول مصير مئات الملايين من أموال المساعدات للسلطة الفلسطينية، التي لم تصل إلى غايتها الأساسية، حسب الادعاءات.

كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" هذا الصباح أنّ محمد دحلان توجه لمكتب المحامي الإسرائيلي زكي كمال طالبًا أن يقدّم باسمه شكوى إلى المحكمة الدولية في لاهاي لتبدأ تحقيقًا ضدّ رئيس السلطة الفلسطينية، مُدَّعِيًا أنّ أبا مازن يقوم بملاحقته على المستوى السياسي وحتى على المستوى الشخصي، لمنعه من الترشح لرئاسة السلطة.

وقدّم دحلان الشكوى مدّعيًا أنّ الرئيس يطارده منذ كشفه للفساد الذي يتورط به أبو مازن وابناه. وهو يطلب الآن من المحكمة الدولية أن تُلزم أبا مازن بإعادة ممتلكاته ومناصبه التي شغلها حتى قبل عامَين تقريبًا.

ووفقًا للمحامي كمال، قُدّمت الشكوى أولا لمكتب الرئيس في رام الله، لكن بعد أسابيع لم يجرِ فيها تلقّي أية إجابة، تقرَّر إرسالها أيضًا إلى الأمين العامّ للأمم المتحدة، وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، مندوبة حقوق الإنسان، سكرتارية الاتحاد الأوروبي، ومبعوث الرباعية طوني بلير.

ويتّهم دحلانُ عبّاس بـ "التصرّف كطاغية، يُضرّ فساده المثبَت وفساد أفراد أسرته بالشعب الفلسطيني وبمؤسسات الرئاسة". وروى دحلان: "نتعرض، أنا وأفراد أسرتي، منذ وقت طويل لموجة من الإرهاب والمؤامرات، الملاحقات، الاعتقالات، التشهير والمسّ بالسمعة الحسنة، تهديد الحياة، والمسّ بالممتلكات".

وأوضح المحامي كمال سبب التوجه إلى لاهاي: "هذا هدر لدمه، في اللحظة التي تأخذ فيها مسؤولا هامّا في المؤسسات، ولا تقدمه للمحاكمة. لم يحققوا معه! وأدانوه. لا يمكن أن تقوم في الصباح شخصيةً هامّة، وتصبح بعد عشر دقائق شخصية ملاحَقة ومقاطَعة ودون أملاك". وقال المحامي كمال إنّ الدعوى أُرسلت أيضًا إلى الاتحاد الأوروبي لأنّ "الأوروبيين يموّلون السلطة الفلسطينية، وهذا التمويل يذهب إلى الفساد".

وينسب دحلان أهمية كبيرة لاستخدام عباس لوسائل الإعلام الرسمية التابعة للسلطة للحطّ من قدره: "قامت وكالة الأنباء الرسمية (وفا) بالحطّ من قدري في منشورات كاذبة، متهمة إياي بالتورط في تهريب سلاح لنظام القذافي أثناء الثورة في ليبيا أو بالتورط في قتل جنود مصريين".

وأضيف مؤخرا مثال آخر لاستخدام عباس لوكالة وفا. فقد نشر سفيان أبو زايدة، عضو المجلس الثوري لفتح وأحد المقربين من دحلان، عمود رأي يتّهم عباس بمركزية مبالَغ بها تمسّ بالمصالح الفلسطينية، عمودًا يردّ بشكل فوري على العمود الذي كُتب تحت اسم "المؤسسة الأمنية"، والذي انتقد دحلان بشكل كبير، علمًا أنه يعيش خارج أراضي السلطة في السنتَين الأخيرتَين. "استطاع الشعب أن يميّز بين مَن يعمل من أجل الوطن، ومن يعمل من أجل أجندة شخصية وأشخاص فرّوا من الوطن".

ويروي دحلان في شكواه أنه كسب عام 2012 ربع مليون جنيه إسترليني في شكوى ضدّ قناة الجزيرة، التي بثت حسب دحلان، تشهيرًا له أملاه مقربون من عباس.

وكان دحلان، أواخر التسعينات، الرجلَ القوي في قطاع غزة بفعل منصبه كرئيس المخابرات في قطاع غزة وقربه من الرئيس عرفات. وشغل لاحقًا منصب وزير الداخلية في حكومة أبي مازن، وبعد استقالة عباس، أصبح الوزير الذي نسق مع إسرائيل والولايات المتحدة في قضية الانسحاب من غزة. وإضافةً إلى أعدائه في حماس، الذين اعتبروه العدو الأكبر للحركة الإسلامية، بسبب أعماله ضدّ أعضاء الحركة في التسعينات وفي الأشهر التي سبقت الانقلاب في غزة، ثمة أعداء لدحلان داخل حركة فتح، ألقَوا على عاتقه مسؤولية سقوط غزة بين يدَي حماس. ومن بين أسباب ذلك أنّ دحلان أشاع على مر السنين أنه الرجل الأقوى أمنيًّا في القطاع، ولكن أيضًا لأنه بعد أن غادر القطاعَ، الذي شكّل مركز قوته، عينه عباس رئيسًا لمجلس الأمن القومي. بعد ذلك، انتُخب دحلان أيضًا عضوًا في اللجنة المركزية لفتح.

وبدأت تقارير بالظهور في تشرين الثاني 2010 تتحدث عن أنّ دحلان عمل إلى جانب عدد من مسؤولي فتح مع الأمريكيين بهدف الإطاحة بالرئيس عباس. وبعد إنشاء لجنة تحقيق في هذا الشأن، جرى طرد دحلان من حركة فتح، وقبل ذلك غادر دحلان أراضي السلطة. وهو يقطن اليوم في الإمارات العربية المتحدة، حيث أصبح أحد الرجال المقربين جدا من الأسرة الحاكمة. وتعزّز موقعه كرجل أعمال في السنوات الأخيرة، واستمرّ بتجميع ممتلكات عديدة وثروة طائلة.

بالمقابل، لا يتراخى دحلان في شأن الشكاوى الشخصية ضدّ أبي مازن. وفي هذه الأيام، يقوم بمتابعة عدد من الشكاوى ضد الرئيس الفلسطيني في محاكم أوروبية. وفي هذه الشكاوى، يذكر أنّ أبا مازن يخفي حقيقة اختفاء مبلغ 700 مليون دولار من صندوق السلطة الفلسطينية.

ومؤخرا، هنأ دحلان الشعب المصري بنجاح الثورة والتحرر من حكم الإخوان المسلمين. وبعد الإعلان عن استئناف المفاوضات بين إسرائيل والسلطة، قرّر دحلان انتقاد الذهاب للمفاوضات بشدة. "هذا انتحار سياسيّ"، كتب دحلان. "إنّ موافقة عباس الشخصية نابعة من الإذعان للضغط الدولي، وتشكّل تضليلًا لأبناء شعبنا الفلسطيني".