تشير الإحصائيات، على الأقل، إلى حالة واضحة: بدأت تخمد الانتفاضة الثالثة، وهي اندلاع عنيف بدأ في تشرين الأول. وقد سُجل انخفاض تدريجي في نطاق الهجمات في الأراضي الفلسطينية طوال شهرَي كانون الثاني وشباط. في شهر آذار طرأ انخفاض أكثر حادا، وما زال مستمرّ في هذه الأثناء في نيسان. في الأسبوع الماضي، اعتُقل عدة فلسطينيين في حواجز في الضفة وفي عمليات مسح في القدس القديمة، وهم يحملون سكاكين. ولكن العملية الأخيرة، التي حدثت قبل أسبوع، نفذتها عربية إسرائيلية، من سكان كفر قاسم، والتي طعنت مواطنة في المنطقة الصناعية المجاورة، فكانت إصابتها طفيفة.

ومع هذا، يجب توخي الحذر عند التعبير عن هذا الخمود الظاهر. لأنّ الانتفاضة الحالية تجري من الميدان، من الأسفل إلى الأعلى، وليست موجّهة من قبل قيادة مركزية، فمن الأصعب تحليلها وبالتأكيد أيضًا التنبؤ باتجاهات تطوّرها. ومع ذلك، ليس فقط أن المظاهرات الكبيرة - التي جذبت في ذروتها على الأقل بضعة آلاف من السكان في الضفة الغربية - قد توقفت نهائيا تقريبا، بل انخفضت كثيرا أيضا عمليات "الذئاب المنفردة". عندما بدأت موجة العنف تحدث الجيش الإسرائيلي عن موجة تغذي نفسها: نجاح إرهابي وحيد، والذي في أعقابه يتولى مقلّدوه زمام مبادرة خاصة بهم، بعد أن انكشفوا على التغطية في جميع وسائل الإعلام وفي مواقع التواصُل الاجتماعي. ولكن مؤخرًا، عندما أصبحت العمليات أقل نجاحا، بدا أنّ تأثير العدوى الذي يؤدي إلى زيادة المقلّدين، قد توقف.

انتفاضة الألعاب النارية (Flash90/Sliman Khader)

انتفاضة الألعاب النارية (Flash90/Sliman Khader)

يشير هذا التحذير أيضًا إلى تأثير العنصر الديني، ذي جزء رئيسي في اندلاع العمليات في تشرين الأول، بسبب التوتر حول الحرم القدسي الشريف. في القدس بدأ انخفاض، وإن كان محدودا، في عدد العمليات في شهري كانون الأول وكانون الثاني. وقد نُسب ذلك إلى النشر المكثف لقوات الشرطة على خطّ التماس بين أجزاء المدينة، في القدس الشرقية وفي الحواجز عند مدخل الضفة. يتعلق السبب الرئيسي الثاني لانخفاض العنف في القدس بجهود ضبط النفس التي بُذلت في الجانب الإسرائيلي، فيما يتعلق بالأنشطة السياسية والمنظمتية المختلفة حول الحرم القدسي الشريف. ومن المرجح، أن يؤدي عيد الفصح القادم إلى اشتعال الأوضاع مجددا. سيسعى المزيد من الزوار اليهود إلى الذهاب إلى الحرم القدسي الشريف. بينما يسود شعور من المعارضة في أوساط الفلسطينيين حول الاتفاق بين إسرائيل والأردن لوضع كاميرات مراقبة في الحرم.

يعود تفسير المنظومة الأمنية الإسرائيلية للانخفاض النسبي في العنف، سواء في الضفة أو في أراضي الخطّ الأخضر، إلى ثلاثة أسباب: تحسين قدرات الشاباك في تحديد واعتقال الشبان الفلسطينيين الذين يسعون إلى تنفيذ "عمليات منفردة"، حملات اعتقال تقوم بها الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ونشاطات دعائية واسعة للسلطة والأجهزة الأمنية في المدارس الثانوية والمدارس الابتدائية، لإقناع التلاميذ بعدم الخروج إلى عمليات والتي من المرجح أن تؤدي إلى وفاتهم.

الانتفاضة الثالثة ؟ صدامات اشتباكات القدس (Flash90)

الانتفاضة الثالثة ؟ صدامات اشتباكات القدس (Flash90)

وتشير إسرائيل أيضًا إلى تحسين التنسيق الأمني مع السلطة وضبط النفس النسبي الذي تتخذه في التحريض في قنواتها الإعلامية الرسمية (رغم أن التحريض في وسائل الإعلام التابعة لحركة حماس وفي الإنترنت ما زال مستمرا تقريبا ومن دون أي عائق). هذه هي الخلفية لدعم الجيش الإسرائيلي اقتراح تقليص النشاط العسكري في المناطق A الواقعة تحت سيطرة السلطة، في عدة مدن، وتقييدها لحالات "القنابل الموقوتة". تندمج هذه العمليات بتوصية واضحة من الجيش الإسرائيلي، والتي اعتمدتها القيادة السياسية منذ بداية الصراع، وهي تجنّب المسّ بسكان الضفة وعدم فرض قيود على دخول العمال إلى إسرائيل.

هناك أسباب لحدوث العنف الذي تزايد في تشرين الأول في إسرائيل. فقد حذّرت الجهات الأمنية طلية أشهر، ومن بينها منسّق العمليات في الأراضي وقيادة المنطقة الوسطى، من أنّ يأس الجيل الشاب في الضفة، بالإضافة إلى الخيارات الاقتصادية والجمود السياسي، قد تؤدي إلى الاشتعال. لم يتم التنبّؤ بالتوقيع مسبقا. قد يستمر تراجع العنف طيلة وقت معيّن، وربما تُشعل الأحداث مثل التوتر في الحرم القدسي الشريف أو حملة فلسطينية بمناسبة مرور 50 عاما على الاحتلال، والتي ستبدأ في حزيران القادم، الأوضاع مجددا.

نُشر هذا التحليل للمرة الأولى في صحيفة "هآرتس"