ما زالت العجوز الإيرانية البالغة من العمر 82 عاما تحتفظ بالوثائق التي قلبت حياتها رأسا على عقب في حقيبة قديمة قرب فراشها. وتخرج الأوراق بحرص وترنو إلى الكتابة الفارسية الدقيقة.

ومن بين الوثائق أمر قضائي يجيز الاستيلاء على الشقق السكنية الثلاث الخاصة بأبنائها في بناية متعددة الطوابق في طهران كانت الأسرة تملكها لسنوات. ومن بينها كذلك خطاب يعلن بيع إحدى تلك الشقق وإخطار يطالبها بدفع إيجار عن شقتها في الطابق العلوي.

وخسرت باري وحدة الحق عقارها في نهاية الأمر بعد أن وضعت يدها عليه مؤسسة يسيطر عليها الزعيم الأعلى آية الله عليخامنئي صاحب أعلى سلطة في إيران. وهي تعيش الآن وحدها في شقة ضيقة بها ثلاث غرف في أوروبا على بعد آلاف الكيلومترات من طهران.

واسم المنظمة التي لاحقتها لسنوات هو باللغة الفارسية "ستاد إجرايي فرمان حضرت إمام" أو هيئة تنفيذ أوامر الإمام. ويشير الاسم إلى مرسوم وقعه المرشد الأعلى الأول للجمهورية الإسلامية آية الله روح الله الخميني قبل قليل من وفاته عام 1989. وأنشأ ذلك المرسوم هيئة جديدة لإدارة وبيع العقارات التي تركها مالكوها في سنوات الفوضى التي أعقبت الثورة الإسلامية عام 1979.

وأصبحت ستاد من بين أقوى الهيئات في إيران برغم إن كثيرا من الإيرانيين والعالم الخارجي لا يعرفون عنها الكثير. وفي الأعوام الستة الأخيرة تحولت إلى كيان تجاري عملاق يملك الآن حصصا في كل قطاعات الاقتصاد الإيراني تقريبا بما في ذلك قطاعات المال والنفط والاتصالات وإنتاج حبوب منع الحمل بل وحتى تربية النعام.

ويصعب حساب القيمة الإجمالية لستاد بسبب سرية حساباتها لكن ممتلكاتها من العقارات والحصص في الشركات وغيرها من الأصول لا تقل إجمالا عن 95 مليار دولار وفقا لحسابات أجرتها رويترز. ويستند هذا التقدير إلى تحليل لتصريحات مسؤولي الهيئة وبيانات من سوق طهران للأوراق المالية ومواقع الشركات على الإنترنت ومعلومات من وزارة الخزانة الأمريكية.

وكل هذه الامبراطورية الاقتصادية يسيطر عليها شخص واحد ألا وهو خامنئي. فهو بصفته أعلى رجال الدين في إيران صاحب القول الفصل في كل شؤون الحكومة بما في ذلك البرنامج النووي الذي كان محل مفاوضات مكثفة بين دبلوماسيين إيرانيين ودوليين في جنيف انتهت يوم الأحد دون التوصل إلى اتفاق. وخامنئي هو الذي سيحدد مسار ايران في المحادثات النووية وكذلك جهود الرئيس الجديد حسن روحاني الأخيرة لتحسين العلاقات مع واشنطن.

ويشيد مساعدو الزعيم الأعلى بحياة الزهد التي يعيشها ويشيرون إلى تواضعه في ملبسه والسجادة الناحلة في بيته في طهران. ولم تعثر رويترز على ما يدل على استغلال خامنئي للهيئة بهدف الاثراء.

لكن تحت تصرفه الآن من خلال ستاد ثروة تباري في قيمتها ثروات الشاه الذي انتقد على بذخه وسفه تبذيره وأطيح به عام 1979.

وتطابق طريقة جمع ستاد لهذه الثروة أيضا طريقة حصول النظام الملكي المخلوع على جانب كبير من ثروته – مصادرة العقارات. ووجد استقصاء أجرته رويترز على مدى ستة أشهر أن ستاد أقامت إمبراطوريتها من خلال الاستيلاء الممنهج على آلاف العقارات التي تخص مواطنين إيرانيين عاديين – أبناء أقليات دينية مثل وحدة الحق – وهي بهائية – وأفراد من الأغلبية الشيعية وأصحاب أعمال وإيرانيين يعيشون في الخارج.

وصادرت ستاد أعدادا كبيرة من العقارات من خلال الادعاء في المحاكم الإيرانية – زورا في كثير من الأحيان – أنها مهجورة. وتحتكر المنظمة الآن بأمر قضائي الاستيلاء على العقارات باسم خامنئي وعادة ما تبيع العقارات المستولى عليها في مزادات أو تسعى لانتزاع أموال من مالكيها الأصليين.

وأشرف الزعيم الأعلى أيضا على انشاء جهة تختص بالاحكام القانونية والأوامر التنفيذية التي تمكن الهيئة من الاستحواذ على الاصول.

وقال ناجي محمودي وهو محام إيراني غادر إيران عام 2010 ويقيم الآن في ألمانيا "لا يمكن لأي هيئة رقابية أن تشكك في ملكيتها."

وكانت سيطرة خامنئي على المؤسسة الدينية والقوات العسكرية في إيران واضحة منذ سنوات. ويكشف الاستقصاء بخصوص ستاد أن ثمة بعدا ثالثا لقوته وهو القدرة الاقتصادية. ولعل نبع الإيرادات المتدفق من ستاد يفسر سر تمكن خامنئي من البقاء 24 عاما بل واستحواذه على سيطرة تفوق من بعض النواحي ما كان يحظى به سلفه المبجل. فستاد توفر له الوسائل المالية للعمل باستقلال عن البرلمان وعن ميزانية الدولة وتعزله عن الصراعات المتدنية بين الفصائل في إيران.

وقد اعترفت واشنطن بأهمية ستاد. ففي يونيو حزيران فرضت وزارة الخزانة عقوبات عليها وعلى بعض الوحدات التابعة لها ووصفت الهيئة بأنها شبكة هائلة من الشركات التي تخفي أصولا لحساب القيادة الايرانية. وقالت الوزارة إن شركات الهيئة تدر ايرادات سنوية بمليارات الدولارات لكنها لم تذكر تفاصيل.

ولم يرد المسؤولون سواء في رئاسة الجمهورية أو وزارة الخارجية على طلبات للتعقيب. وأصدرت السفارة الايرانية في الامارات العربية المتحدة بيانا وصفت فيه ما توصلت إليه رويترز بأنه معلومات "مبعثرة ومتباينة" وقالت إنه ليس لأي منها أساس. ولم تذكر أي تفاصيل.

وقال حميد ويزي المدير العام للعلاقات العامة في ستاد في رسالة بالبريد الالكتروني ردا على وصف تفصيلي لهذه السلسلة إن المعلومات التي قدمت له "بعيدة عن الواقع وليست صحيحة". ولم يذكر أي تفاصيل.

وفي رسالة لاحقة قال إن ستاد ترفض مزاعم وزارة الخزانة الأمريكية وإنها بصدد الاستعانة بمحام أمريكي للتصدي لهذه المسألة. وأضاف "هذه الرسالة تحيطكم علما بأن أي إجراء من جانب مؤسستكم قد يؤثر سلبا على النزاع الذي نخوضه في الولايات المتحدة ويضر بموقفنا وهو ما نحملكم المسؤولية عنه."

وعندما أمر الخميني بإنشاء ستاد كان من المفترض أن تقتصر على إدارة العقارات "التي لا مالك لها" وبيعها وتوجيه جانب كبير من العوائد إلى الأنشطة الخيرية. وكان المفترض أن تستخدم ستاد المال في مساعدة قدامى المحاربين وأرامل الحرب و"المستضعفين". وأفاد أحد مؤسسي ستاد بأنه كان مقررا لها أن تعمل مدة لا تزيد على العامين.

وقد أنشأت ستاد مدارس وطرقا وعيادات صحية ووفرت الكهرباء والماء في المناطق الريفية والفقيرة. كما ساعدت أصحاب مشروعات التنمية. لكن أعمال الخير مجرد جزء يسير من أعمالها الإجمالية.

وبدأت ستاد تحت سيطرة خامنئي تتملك عقارات لنفسها واحتفظت بقسم كبير من الأموال بدلا من إعادة توزيعها.

ويقول موظف سابق في ستاد وآخرون من المطلعين على الأمر إن الهيئة تساعد في تمويل مقر السلطة العليا في إيران وهو "بيت الرهبر" أو دار الزعيم. وكان للزعيم الأعلى الأول آية الله الخميني هيئة صغيرة من العاملين في مكتبه. أما لكي يتمكن خامنئي من إدارة البلاد اليوم فهو يوظف زهاء 500 شخص في مكاتبه الإدارية كثير منهم يستقدمون من الجيش وأجهزة الأمن.

ويتعذر تكوين صورة كاملة لمصاريف ستاد ودخلها. فليس مسموحا بالاطلاع على حساباتها حتى للسلطة التشريعية في ايران. وفي عام 2008 اعتمد البرلمان الإيراني قانونا يحظر عليه ممارسة الرقابة على الهيئات التي يسيطر عليها خامنئي بما في ذلك ستاد. لكن رويترز جمعت أكمل حساب حتى الآن لممتلكات الهيئة. ومن بينها: * محفظة عقارية عملاقة

قال رئيس إدارة العقارات في ستاد في مؤتمر صحفي عام 2008 إن قيمة ممتلكات الإدارة تقرب من 52 مليار دولار. وقد هبطت قيمة العملة الإيرانية منذ ذلك الحين بينما صعدت أسعار العقارات. وتغير كذلك محتوى محفظة العقارات ومن ثم يصعب تحديد قيمتها الحالية.

ووجدت رويترز أن ستاد تطرح عقاراتها في مزادات كبيرة متواترة أقيم منها 59 مزادا على الأقل حتى الآن حسب مراجعة لإعلانات الصحف الإيرانية ومواقع المزادات على الإنترنت. وأقيم حديثا مزاد في مايو أيار طرح فيه ما يقرب من 300 عقار من بينها منازل ومتاجر وأراض زراعية بل ومجمع للأنشطة الرياضية والصحية في طهران. وبلغ مجموع قيم فتح المزاد نحو 88 مليون دولار محسوبة بأسعار الصرف الرسمية في ذلك الشهر.

* وحدة استثمار قيمتها عشرات المليارات من الدولارات

في يونيو حزيران فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على ستاد و37 شركة تسيطر عليها الهيئة لمزاعم دورها في "مساعدة الحكومة الإيرانية في الالتفاف على العقوبات الأمريكية والدولية". وقالت وزارة الخزانة أيضا إن ستاد قامت بدور في "تحقيق إيرادات للقيادة الإيرانية" وإن إحدى شركاتها الاستثمارية بلغت قيمتها منفردة قرابة 40 مليار دولار في أواخر 2010.

لكن العقوبات التي فرضت في يونيو حزيران لا تشمل إلا جزءا من ملكية ستاد في الشركات. فحسبما أفاد متحدث باسم وزارة الخزانة الأمريكية لا تطبق العقوبات على الشركات التابعة إلا إذا كان الكيان المستهدف بالعقوبات "يملك 50 في المئة أو أكثر من الشركة".

وفي الواقع العملي وجدت رويترز أن ستاد تسيطر على كثير من الشركات التي تملك فيها حصصا صغيرة للغاية. وحددت رويترز ما لا يقل عن 24 شركة عامة تملك فيها ستاد أو شركة تستثمر فيها الهيئة حصصا تقل عن 50 في المئة. وتبلغ قيمة تلك الحصص وكلها في شركات أسهمها متداولة في سوق الأسهم ما يزيد على 3.4 مليار دولار وفقا لحسابات رويترز. ويتضمن هذا الرقم قرابة ثلاثة مليارات دولار دفعتها ستاد في عام 2009 مقابل حصة في كبرى شركات الاتصالات الإيرانية.

وحددت رويترز كذلك 14 شركة أخرى استثمرت فيها ستاد سواء مباشرة أو من خلال شركات أخرى لكن لم يتسن تقدير قيمتها لأنها ليست شركات مساهمة عامة

وبحساب كل ما سبق تكون القيمة الإجمالية لممتلكات ستاد من العقارات والحصص في الشركات قرابة 95 مليار دولار وهو مبلغ يزيد بنسبة 40 في المئة تقريبا عن قيمة صادرات إيران النفطية الإجمالية العام الماضي ويتجاوز تقديرات المؤرخين المستقلين لثروة الشاه الراحل.

وتفيد السجلات القضائية بأن الجمهورية الإسلامية أقامت بعد الإطاحة بالشاه دعوى قضائية في الولايات المتحدة على الشاه وزوجته فرح بهلوي مدعية أنهما سرقا 35 مليار دولار من الأموال الإيرانية. وتبلغ قيمة هذا المبلغ بأسعار اليوم 79 مليار دولار. وقد رفضت الدعوى.

وعبر عباس ميلاني مدير برنامج الدراسات الإيرانية في جامعة ستانفورد الذي كتب سيرة للشاه نشرت عام 2011 عن اعتقاده أن تقدير ثروة الشاه "بولغ فيه للغاية". وقال لروبترز إن الشاه عاش فعلا حياة تتسم بالبذخ الشديد بما في ذلك امتلاكه مجموعة سيارات ربما كان من بينها 120 سيارة فارهة. لكنه كتب في سيرة الشاه "من يرجح أنهم يعرفون أكثر من غيرهم يقدرون ثروة الشاه بما يقرب من مليار دولار." وبحساب التضخم يعادل ذلك ثلاثة مليارات دولار بأسعار اليوم وهو مبلغ صغير إذا ما قورن بممتلكات ستاد.

رسوم الحماية

يقدم مسؤولو ستاد مبررين لأنشطتهم في المجال العقاري وهما أن الهيئة تتملك العقارات بطريقة مشروعة وأن جزءا من الأرباح ينفق في أعمال الخير.

وفي مقابلة أجرتها صحيفة شرق الإصلاحية الإيرانية في إبريل نيسان مع علي أشرف أفخمي الذي ذكرت أنه رئيس مجموعة تدبير للتنمية الاقتصادية وهي الوحدة الأساسية التي تدير استثمارات ستاد المالية وصف المسؤول الهيئة بأنها "حارس" على "العقارات التي لا مالك لها" وأشار إلى أن الهيئة لم تصادر أي عقار. كما وصف الطريقة التي جمعت بها ستاد عقاراتها بأنها ليست أمرا غير عادي.

وقال "تخيل عقارا أو قطعة أرض تركها شخص بعد وفاته دون وريث أو مثلا ممتلكات أفرجت عنها الجمارك لكنها ظلت دون مالك لها. هذه الممتلكات لا بد أن تدار بشكل ما. إذا تأكد غياب الملكية من خلال أمر قضائي عندئذ يعطى العقار لستاد."

وأضاف "كما قلت.. في كل مكان في العالم أنشئت أنظمة للسيطرة على العقارات أو قطع الأرض التي لا مالك لها وتوجه الأرباح إلى أنشطة للفقراء."

وتقوم المؤسسات الخيرية بدور مهم في الجمهورية الإسلامية. وتسيطر ستاد على مؤسسة خيرية. ووفرت مؤسسات خيرية أخرى تعرف الواحدة منها باسم "بونياد" شبكة أمان حيوية خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) وبعدها فساعدت قدامى المحاربين الذين أصيبوا بإعاقات والأرامل والأيتام والفقراء.

ويقول ابن جندي قتل في الحرب إن "بونياد شهيد" (مؤسسة الشهداء) وفرت لأسرته وأسر أخرى مساكن ومرتبات ومتاعا للبيت. ومن بين الخدمات الأخرى التي تقدمها للمحاربين القدماء والواردة في موقعها على الإنترنت تذاكر الطيران المخفضة والتدريب الفني وتركيب رافعات المقاعد المتحركة في السيارات.

غير إن أنشطة ستاد أوسع كثيرا من هذه المؤسسات. ولا تعرف نسبة عائداتها التي تذهب إلى أعمال الخير. ويشكك الإيرانيون الذين صادرت ستاد ممتلكاتهم وكذلك المحامون الذين عملوا في مثل هذه القضايا في إدعاء أن الهيئة تعمل للصالح العام. ووصفوا لرويترز ما يعد خطة ابتزاز منهجية تحصل ستاد في إطارها على أوامر قضائية بموجب ادعاءات كاذبة للاستيلاء على العقارات ثم تضغط على مالكيها كي يشتروها ثانية أو يدفعوا رسوما ضخمة لاستعادتها.

وقال حسين رئيسي وهو محام معني بحقوق الإنسان عمل في إيران 20 عاما وتولى بعض قضايا مصادرة العقارات "من يطلبون المصادرة... يقدمون أنفسهم على أنهم يقفون في جانب الجمهورية الإسلامية ويحاولون تصوير الشخص الذي يريدون مصادرة عقاره على أنه شخص سيء معاد للثورة شخص مرتبط بالنظام القديم. المناخ هناك ليس عادلا."

وقال روس كي. رقابي وهو محام إيراني في بيفرلي هيلز بولاية كاليفورنيا الأمريكية إن الأمل الوحيد في استعادة أي شيء هو دفع المال لوكلاء ذوي صلات رفيعة في إيران. وأضاف المحامي الذي يقول إنه تولى 11 قضية مصادرة عقارات كانت ستاد طرفا فيها "بعد أن تدفع للجميع يصل مجموع ما دفعته إلى 50 في المئة" من قيمة العقار.

وقال رجل أعمال إيراني يقيم الآن في الخارج وطلب عدم الإفصاح عن اسمه لأنه ما زال يزور إيران إنه حاول قبل عامين بيع قطعة أرض قرب طهران تملكها أسرته منذ أمد طويل فأبلغته السلطات المحلية بأنه يحتاج إلى "خطاب عدم ممانعة" من ستاد.

وقال رجل الأعمال إنه ذهب إلى مكتب ستاد المحلي فطلب منه دفع عدة مئات من الدولارات رشوة للموظفين كي يعثروا على ملفه ويعجلوا العملية. وأضاف أنه أبلغ بعد ذلك بأن عليه أن يدفع رسوما لأن ستاد وفرت "الحماية" لأرض أسرته من واضعي اليد على مدى عشرات السنين. وستقدر الرسوم بما بين 2 و2.5 في المئة من قيمة العقار عن كل سنة.

وأرسلت ستاد خبيرا مثمنا لتحديد قيمة العقار الحالية. وقدر ثمن العقار بمبلغ 90 ألف دولار. وقال رجل الأعمال إن رسوم الحماية بلغت إجمالا 50 ألف دولار.

وأضاف إنه رفض دفع المبلغ وقال إنه لا دليل على أن ستاد فعلت شيئا لحماية الأرض. وقال إن ممثلي ستاد رفضوا التزحزح عن المبلغ لكنهم عرضوا تسهيل الدفع ببيع الأرض وأخذ الرسوم من ثمنها. وقال إنه وكل محاميا فنصحه بدفع الرسوم وهو ما فعله على مضض العام الماضي.

ولم تكن هذه مواجهة أسرة رجل الأعمال الوحيدة مع ستاد. وقال إن شقيقته التي تقيم في طهران أبلغته أخيرا بأن ممثلي ستاد طرقوا أبواب الشقق في مجمعها السكني شقة شقة وطالبوا السكان بإبراز حجج ملكيتهم لوحداتهم السكنية.

وفي مقابلات مع عدة إيرانيين آخرين استولت ستاد على عقارات لأسرهم وصفوا ما تعرضوا له قائلين إن رجالا حضروا إلى المكان مهددين باستخدام العنف ما لم يخلوا العقار على الفور. وقال رجل إنه خلال الحادث الذي وصف له وقفت امرأة مسنة من أفراد الأسرة مذهولة والعمال يخرجون كل الأثاث من منزلها.

وتفيد الرواية التي أبلغ بها بأن المرأة جلست على سجادة رافضة أن تتحرك وقالت متوسلة "ماذا أفعل؟ أين أذهب؟"

"ثم انحنوا ورفعوها بالسجادة وخرجوا بها."

"وراء الأبواب"

ومنحت عدة مؤسسات إيرانية أخرى مثل "بونياد مستضعفان" (مؤسسة المستضعفين) السلطة القانونية لمصادرة بعض العقارات. وتتسم تلك المؤسسات عموما بالصراحة في عملها فتدرج أسماءها وشعاراتها في إعلانات بيع العقارات. أما دور ستاد في المصادرة فأكثر تخفيا.

ووجدت رويترز أنه لا شعار ستاد ولا اسمها الكامل يظهران في إعلانات الصحف عن المزادات القادمة وإنما تستخدم الهيئة عنوانا غامضا لا يوضح أن البائع مرتبط بستاد. وعندما اتصل مراسل بأحد أرقام الهاتف المدونة في إعلان في مايو ايار بخصوص عقار في مدينة مشهد بشمال البلاد استمع إلى رد مسجل يقول "لقد اتصلتم بستاد إجرايي فرمان حضرت إمام."

وكثير من إعلانات الصحف التي عثرت عليها رويترز تحيل القارئ أيضا إلى موقع على الإنترنت للاستزادة من المعلومات. ولا يحوي هذا الموقع اسم ستاد الكامل أيضا. وتكشف سجلات ملكية مواقع الإنترنت عن أن الموقع الذي يعرض قوائم بالمزادات الخاصة بكثير من أنواع السلع المصادرة – بما في ذلك قوارب ودراجات نارية وأجهزة تلفزيون مسطحة الشاشة وسيارات بل وأسمدة – مسجل باسم مكتب في طهران. وعندما اتصل مراسل بالمكتب أكد له متلقي المكالمة أنه مكتب ستاد.

وبعض العقارات التي تسيطر عليها ستاد مصادرة من أقليات دينية من بينها الطائفة البهائية. والبهائية ديانة نشأت في إيران وتعتبرها الجمهورية الإسلامية بدعة ضالة. وأصبح البهائيون أكثر الطوائف الدينية تعرضا للاضطهاد في إيران ويمنع بعضهم من تولي الوظائف ودخول الجامعات. كما تتعرض متاجر البهائيين ومقابرهم للتخريب.

وتبين أرقام جمعها المجلس البهائي العالمي وهو منظمة غير حكومية أن ستاد كانت تحتل 73 عقارا مصادرة من أبناء الطائفة حتى 2003 وهذه أحدث بيانات متاحة. وكانت قيمة العقارات وقتها 11 مليون دولار.

ولا يتضمن هذا الرقم إلا جزءا يسيرا من قيمة عقارات البهائيين التي استولت عليها ستاد. فالقائمة لا تشمل عدة عقارات كانت تخص بهائيا اسمه أمين الله كتيرائي. وتقول ابنته هايدة كتيرائي التي تقيم الأن في تورونتو إن ستاد لاحقت ممتلكات أسرتها على مدى ما يزيد على 20 سنة.

وقالت إن أباها كان يملك منزلا وأرضا حول مدينة همدان في شمال غرب إيران. وفي أوائل التسعينات صادرت ستاد نحو 750 هكتارا (نحو 1853 فدانا) هي كل ممتلكات الأسرة من الأراضي في المنطقة. وتتهم سجلات المحكمة التي توثق الاستيلاء على العقارات والتي راجعتها رويترز كتيرائي بالتعاون مع حكومة الشاه السابقة. وتقول ابنته إن أباها لم تكن له قط أي علاقات بحكومة الشاه.

وحاول كتيرائي مناشدة السلطات الحكومية فكتب خطابا إلى لجنة برلمانية في 1993 يقول فيه إنه مستهدف بسبب ديانته وحدها.

وفي رد اطلعت عليه رويترز استشهد ممثل للجنة بالمادة 13 من الدستور الإيراني التي تقول إن الزرادشتيين واليهود والمسيحيين هم وحدهم المعترف بهم كأقليات دينية ولهم حق ممارسة شعائرهم الدينية في حدود القانون. وأفاد الخطاب بأن "الديانة البهائية ليست من بين الأقليات الدينية". ورفضت اللجنة النظر في قضيته.

ولم تتوقف ستاد عند هذا الحد. وتقول ابنته إن ممثلي الهيئة حضروا بعد عدة سنوات إلى منزل من ثلاثة طوابق في وسط طهران ظلت أسرتها تملكه طوال 44 سنة. وكان كتيرائي آنذاك يقيم في طابقه الأرضي ويؤجر الطابقين العلويين.

وأفادت ابنته بأن ممثلي ستاد ادعوا أن مالك المنزل غادر البلاد وتركه. وأبلغ كتيرائي ممثلي ستاد مرارا بأنه يملك المنزل. وانصرفوا لكن ستاد سرعان ما بدأت الإجراءات القضائية للاستيلاء على المنزل.

وتوفي كتيرائي في 2008. وظلت ستاد على مدى السنوات الخمس الماضية تحاول إجلاء شاغلي الوحدات السكنية ومن بينهم ابن كتيرائي مستصدرة اخطارات قضائية ومهددة بتغريمهم.

وقالت ابنة كتيرائي "في كل ركن في هذا البيت ذكريات لنا. كنت آخذ أبنائي إلى هناك كل جمعة لنرى الأسرة."

وتساءلت "ماذا فعلت أسرتي لتستحق هذه المعاملة. نحن نعرف أن الإسلام دين سلام. لكن كيف يمكن لحكومة تزعم أنها حكومة إسلامية أن تسمح بحدوث هذا."

وقال محمد نيري وهو محام كان يعمل في إيران حتى عام 2010 ويعيش الآن في بريطانيا إنه تولى قضية مرتبطة بستاد صودر فيها منزل رجل مسلم استنادا لأسباب من بينها شائعات بأنه اعتنق البهائية وله علاقات بالملكية.

وانتقل الرجل إلى الولايات المتحدة بعد قليل من ثورة 1979 لكن نيري امتنع عن الإفصاح عن اسمه لأنه ما زال له أقارب في إيران. واستولت الحكومة الجديدة على منزله في أحد أحياء طهران الراقية.

وقال نيري "شائعة البهائية كانت من بين دوافع هذا. وجدوا أن هذا البيت خال وأن المالك غادر البلاد فجاؤوا واستولوا على المكان." وفي حوالي عام 1990 سلم العقار لستاد التي باعته في مزاد.

وقال نيري إن ابن المالك اتصل به في 2008. وكان الرجل قد توفي بحلول ذلك الوقت. وقال الابن للمحامي إن والده لم يعتنق البهائية قط ولم تكن له أي علاقات مع الملكية وإنه يريد تبرئة اسم أبيه ومحاولة استعادة البيت.

وأضاف نيري أنه قدم شكوى ضد ستاد والمالك الحالي وكسب طعنه في المصادرة. وحصل في نهاية المطاف على أمر قضائي بإعادة العقار إلى الابن.

لكن ستاد رفضت أن تعيد المنزل ما لم يقدم الابن "خمسا" حسب الشريعة. وقال نيري إن المبلغ كان إجمالا 50 ألف دولار أي خمس تقدير قيمة العقار. وأفاد المحامي بأن الابن لم يكن له خيار ودفع المبلغ.

وقال رقابي المحامي المقيم في كاليفورنيا إنه أيضا كسب عددا من قضايا مصادرة العقارات التي كانت ستاد طرفا فيها. لكنه قال إنه لم يكن من بينها قضية سهلة فالعقبات التي تكتنفها لا تقتصر على فك التشابك في ملكية العقار والطعن في قرارات قضائية مضى عليها عشرات السنين بل تشمل كذلك تحديد الأشخاص ذوي الصلات بصاحب القرار الأساسي ودفع المال لهم.

واضاف "الشغل الحقيقي هو ما يدور وراء الأبواب. عليك أن تجد الشخص المناسب."

وقال رقابي إن موكليه يتحملون دفع الأتعاب المختلفة وكلها "خاضعة للتفاوض" وقد تصل إلى ملايين الدولارات.

وأضاف أنه دائما ما ينصح موكليه الذين بيعت عقاراتهم على يدي ستاد بأن يحاولوا استعادة بعض عوائد البيع نقدا. "هذه نصيحتي لهم: لا تكن غبيا وتحاول استعادة عقارك."

"تعالوا اقتلوني"

تقول وحدة الحق وهي بهائية إن عدة مؤسسات إيرانية كانت ضالعة في قضيتها على مدى السنين لكن لم يكن أي منها أكثر عنادا من ستاد.

وقالت إن مشاكلها بدأت في عام 1981 عندما بدأ زوجها العمل في شركة تسمى أسان جاز كان من بين أسباب إنشائها مساعدة العاطلين من أبناء الطائفة.

وفي سبتمبر أيلول 1981 ألقي القبض عليه وسجن في طهران. وأفادت وحدة الحق بأنه بعد خمسة أشهر حكم عليه رجل دين في محكمة بالإعدام دون الحق في استئناف الحكم. وأعدم في فبراير شباط 1982.

وقالت بصوت متهدج "ضرب بتسع رصاصات."

واحتجاجا على إعدام زوجها بدأت تكتب خطابات لكبار المسؤولين الحكوميين بما في ذلك خامنئي الذي كان آنذاك رئيس إيران. وقالت إنها سجنت ثلاثة أشهر في عام 1985.

واستمرت احتجاجاتها بما في ذلك اتصال هاتفي بمكتب خامنئي. وقالت "ظللت أرجوهم أن يسجلوا صوتي وأن ينقلوا رسالتي لخامنئي." وأضافت أنه بدلا من ذلك سجل الموظف المحادثة وسلم الشريط إلى وزارة المخابرات.

وتؤيد إخطارات قانونية ومراسلات رسمية اطلعت عليها رويترز رواية الأرملة لما حدث بعد ذلك.

ففي وقت لاحق أمرت محكمة بمصادرة شقق أسرتها في منطقة راقية في شمال طهران. وقالت إن أبناءها كانوا خارج البلاد آنذاك واتهمهم أمر المحكمة بالدعوة للبهائية في الخارج.

وطالبت مؤسستان إيرانيتان وحدة الحق بتسليمهما عقاراتها. وقالت إنها رفضت وتخلت المؤسستان عن المسألة في نهاية الأمر.

ثم دخلت ستاد الصورة في 1991. وأجازت لها محكمة أخرى مصادرة عقارات الأسرة في طهران ومدينة شيراز في جنوب البلاد.

وتقول وحدة الحق إن ممثلي ستاد جاؤوا إلى شقتها وهددوها بالضرب إذا لم تغادرها. وقالت "بل وكور أحدهم قبضته في إحدى المراحل ليلكمني. قلت لهم تعالوا اقتلوني."

وفي يناير كانون الثاني 1992 كتبت ستاد إلى مكتب السجل العقاري تطلب رفع أسماء أبناء وحدة الحق من حجج ملكية الشقق. وبعد ذلك بعام بعثت ستاد بخطاب إلى وحدة الحق تعرض عليها بيعها إحدى الشقق.

وقالت إن ستاد باعت الشقة في النهاية لمسؤول في محكمة طهران الثورية باعها بدوره خلال شهر لجني ربح سريع. وباعت ستاد لاحقا ثلاث شقق أخرى تخص ابنيها الآخرين وزوجها الراحل.

وفي خريف عام 1993 غادرت وحدة الحق إيران في هدوء دون أن تخبر سوى بضعة أصدقاء وأقارب. ولم تدرك سلطات ستاد إلا بعد ست سنوات أنها لم تعد تقيم في شقتها التي كانت قد أجرتها.

وفي خطاب في نوفمبر تشرين الثاني 1999 عرضت ستاد عليها أن تبيعها شقتها بخصم. ورفضت فطالبتها ستاد بعد ذلك بأن تدفع إيجارا للوحدة ورفضت كذلك. وباعت الهيئة الشقة في نهاية الأمر.

وقالت وحدة الحق إنها اتصلت هاتفيا بالمشتري الجديد وقالت له "هذا عقاري وعقار أسرتي أقيم بدمي ودم زوجي." وأضافت أنه عرض عليها بعض المال فرفضت كمسألة مبدأ.

ويبدو المبنى الآن خاليا إلا من نشاط تجاري في أحد الطوابق السفلى. وقال تجار في الحي إن ملكية العقار الحالية غير واضحة وقد يكون تحت سيطرة مؤسسة إسلامية.

وفي الطابق العلوي حيث كانت وحدة الحق تقيم يوما بدت معظم النوافذ محطمة.