تبدو المطالبات في إسرائيل للقضاء على رئيس المكتب السياسي لحماس، خالد مشعل، بعيدة عن المجريات الإقليمية. منذ أن بدأت الجولة الأخيرة بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة، يتمتع مشعل بنوع من "الحصانة الدبلوماسية". من مكان إقامته في الدوحة، عاصمة قطر، بعيدًا جدًا عن المخابئ والأنقاض في غزة، يقوم بتوجيه الخطوات الاستراتيجية لحماس، وهو يستعين برعاته القطريين، وأصدقائه الأتراك.

من هو الرجل القوي في حماس، الذي سيقرر مستقبل قاطع غزة؟ ما هو مدى انصياعه لرعاته المختلفين وهل يميل إلى البراغماتية أم الأيديولوجية؟

من يتابع تصريحات و "طلات" خالد مشعل في الأشهر الأخيرة، يمكن أن يلاحظ بشكل واضح حالة الضغط والأزمة التي يعاني منها رئيس المكتب السياسي لحماس. فحماس تواجه الوضع الأصعب في تاريخها. وواجه مشعل منذ توليه رئاسة المكتب السياسي للحركة العديد من الأزمات والتحديات: مواجهة التحديات السياسية الداخلية (استمرار السيطرة على قطاع غزة)، والعسكرية (حملة "الرصاص المصبوب" و"عمود السحاب" وفي هذه الإيام "الجرف الصامد" في مواجهة إسرائيل)، ومواجهة التحديات على مستوى سياسة حماس الخارجية (استمرار حالة الحصار والعزل اللتين تعاني منهما إيران، التي كانت حتى فترة قريبة، الجهة التي ترعى وتحتضن حركة حماس). جميع هذه التحديات تسببت في إضعاف الحركة‎.‎

رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل (GIANLUIGI GUERCIA / AFP)

رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل (GIANLUIGI GUERCIA / AFP)

إلا أن هذه التحديات والضغوطات تصاعدتا وازدادتا في السنتين الماضيتين وبشكل كبير، مما جعل مشعل مضطرًا على مواجهة المزيد من التحديات. الربيع العربي خلق حالة من الاحتكاك والتطورات التي تسببت بأضرار وخسائر كثيرة للحركة: الحرب الأهلية في سوريا دفعت مشعل إلى أن يختار دعم المحور العربي في مواجهة المحور الإيراني. فك الارتباط بين الحركة وسوريا منذ شهر شباط ‏2012‏، بعد سنوات طويلة احتضنت خلالها دمشق مشعل وقيادة الحركة في الخارج، هذا التطور دفع قيادات الحركة إلى البحث عن "مقر مؤقت" في قطر, التي صارت مقر إقامته الثابت . إلا أن قرار مشعل بدعم المحور العربي، جعل حماس تدفع ثمنًا باهظًا لهذا الاختيار: هناك من يقول أن تحركات مشعل في قطر تخضع لرقابة ومتابعة دائمتين، وهناك من يقول أيضًا أن مشعل موجود تحت شكل من أشكال الإقامة الجبرية في الدوحة‏‎.‎

ويبدو أن المآسي والصعاب تأتي تباعا: التوتر في العلاقات بين حماس ومصر وصل إلى مستوى غير مسبوق. مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ينظرون إلى حماس ومشعل على أنهما يتحملان مسؤولية التصعيد في العمليات الإرهابية في شبه جزيرة سيناء. وفور عزل الرئيس المصري، محمد مرسي على أيدي السيسي، بدأ رؤساء وقيادات الأجهزة الأمنية في مصر يطلقان تصريحات نارية ضد حماس ويتهمانها بالتورط في أعمال العنف ضد قوات الأمن المصري. بداية القطيعة في العلاقة بين الجيش المصري وحماس، كانت في شهر رمضان من العام ‏2012‏ بعد مقتل ‏23‏ ضابطًا مصريًا على الحدود مع رفح في هجوم مسلح اتهمت الأجهزة الأمنية المصرية حركة حماس بالمسؤولية عنه‏‎.‎‏

أيضًا على مستوى الساحة الفلسطينية الداخلية، هناك حالة من الجمود: مساعي إنهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني عادت مجددًا إلى حالة الجمود والتعثر. بعد أن اتهم مسؤولون في السلطة الفلسطينية وفتح حماس بالتصعيد وخطف الفتيان الإسرائيليين الثلاثة، يبدو أن حكومة الوحدة الفلسطينية قد دفنت في أعماق الأرض. رئيس السلطة الفلسطينية، أبي مازن، الذي ما زال يتمتع بدعم عربي وغربي واسعين، ويمتلك القدرة على إدارة اتصالات سياسية ودبلوماسية واسعة مع العديد من الجهات، وسوف يعمل في هذه الأيام على إعادة مهمة السلطة الفلسطينية في السيطرة على المعابر في غزة في كل اتفاق مستقبلي لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس.

ويبدو أن مشعل وحركة حماس يحاولان البحث عن طريق جديدة. وسنعمل هنا على تسليط الضوء على محطات في حياة هذا الرجل، في محاولة للبحث عن إجابات لتساؤلات صعبة ومحيرة‎.‎

من هو خالد مشعل ؟

هو خالد عبد الرحيم مشعل (أبو الوليد)، من مواليد العام ‏1956‏. ولد مشعل في قرية سلواد القريبة من رام الله. بعد احتلال إسرائيل للقرية في أعقاب حرب الأيام الستة (حرب حزيران ‏1967‏)، هربت عائلته إلى الكويت. وهناك تعلم مشعل العلوم الدقيقة في جامعة الكويت ومنذ بداية سنوات السبعينات، كان مشعل ناشطًا في اتحاد طلبة فلسطين. وخلال دراسته الماجستير في الفيزياء حصل على تصريح عمل كمعلم فيزياء في إحدى مدارس الكويت، وتزوج بعد ذلك ولديه سبعة أولاد. وخلال وجوده في الكويت انضم إلى حركة الإخوان المسلمين واستكمل تعليمه وحصل على شهادة الدكتوراه في الفيزياء‎.‎

خالد مشعل في زيارة تاريخية لقطاع غزة في ديسمبر (كانون الأول) 2012. (Flash 90)

خالد مشعل في زيارة تاريخية لقطاع غزة في ديسمبر (كانون الأول) 2012. (Flash 90)

وفي العام ‏1987‏ كان مشعل من بين مؤسسي حركة حماس، وفي وقت متأخر من العام ‏1990‏ طُرد مشعل من الكويت، في إطار موجات الترحيل الواسعة لعشرات الآلاف من الفلسطينيين. المحطة الثانية في حياته كانت في العاصمة الأردنية، عمان، هناك انضم إلى قيادة حماس (عمل في قيادة الحركة بين الأعوام ‏1994‏ و ‏1999‏). يجب الإشارة هنا إلى أن حركة حماس تتكون من الناحية التنظيمية من جناحين: "حماس الداخل" وهي حماس الموجودة داخل أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة و "حماس الخارج" وهي تلك القيادة الموجودة خارج مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة ومنتشرة في الدول العربية. وهناك تنسيق كامل بين جناح الداخل والخارج، إلا أن حماس الخارج تعتبر أكثر تطرفًا اتجاه إسرائيل مقارنة بحماس الداخل‎.‎

صعود مشعل إلى الواجهة جاء بعد عملية توقيف وتسليم موسى أبي مرزوق في الولايات المتحدة في العام ‏1996‏. حيث تم تعيين مشعل قائم بأعمال أبي مرزوق، كرئيس للمكتب السياسي لحركة حماس. بالمقابل تم تعيين مشعل في مجلس الشوري التابع للحركة، وهو المجلس القيادي الأعلى لحماس. ومنذ ذلك الحين تحوّل مشعل إلى هدف للكثير من الأجهزة الاستخبارية ومن بينها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية‎.‎

رجل المقاومة: براغماتي أو راديكالي ؟

فقد مشعل في السنة والنصف الأخيرة مؤيديه في مصر وعلى رأسهم الرئيس عبد الفتاح السيسي. مكانة مشعل ضعفت والآن تبحث الحركة عن طريق للخروج من الأزمات والتحديات التي تواجهها‎.‎

في خطابه الأخير من الدوحة، أوضح مشعل أن حماس غير معنية أن تأخذ في حسبانها أي اقتراح لوقف إطلاق النار بينها وبين إسرائيل ما دامت غزة تحت الحصار. كما وأوضح توضيحًا قطعيًّا نية التنظيم بالوصول إلى اتفاق شامل فيما يخص مستقبل المدينة الاقتصادي. كذلك يشير للمصريين، الذي يرفضون حتى الآن احترام طلبه فتحَ معبر رفح لتمرير البضائع والناس بسبب المخاوف من انزلاق الإرهاب إلى سيناء. يحرص مشعل على أن ينشر في كل منتدى ممكن حماسته من تدخل رعاته القطريين وأصدقائه الجدد في تركيا بل ويتوقع أن يرفعوا الضغط على مصر لتتساهل تساهلا ملموسًا في فتح المعابر.

أبو مازن وخالد مشعل في القاهرة يعلنان انطلاق مساعي المصالحة الفلسطينية عام 2012 ( Flash 90)

أبو مازن وخالد مشعل في القاهرة يعلنان انطلاق مساعي المصالحة الفلسطينية عام 2012 ( Flash 90)

وفي ظل هذه التحديات والصعوبات فإن شخصية مشعل باتت تحت الاختبار، وهناك من يتحدث عن أن هناك شعارات أولية حول مرونة أيديولوجية، وبراغماتية غير معتادة للشخص الذي رفض لسنوات طويلة الاعتراف بحق إسرائيل بالوجود وادعى بأن فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر سيتم استعادتها بالقوة‎.‎

الدكتور أساف دافيد، الخبير في الشؤون الأردنية، كتب مؤخرًا (كانون أول من العام ‏2012‏) تحليلا ملفًتا حول مواقف وتوجهات القيادي الحمساوي اعتمادًا على تحليل لمقابلة طويلة أجرتها مجلة الإخوان المسلمين في الأردن مع مشعل في شهر تموز من العام ‏2010‏. هذه المقابلة، التي وصفتها حركة حماس بأنها "استراتيجية"، تم نشرها على أربع حلقات، حوار حر يتضمن أسئلة وأجوبة، وتطرق الحوار إلى العديد من نقاط الفلسفة السياسية لحركة حماس، بالإضافة إلى موقفها اتجاه إسرائيل، المفاوضات معها وأيضًا عملية السلام، بالإضافة إلى سياسة مشعل في الساحة الفلسطينية الداخلية، العربية والدولية‎.‎

وهذا ما جاء في تحليل الدكتور دافيد: "ما يميز هذه المقابلة ليس محتواها وشموليتها فقط، لكن أيضًا أن الشريحة المستهدفة من هذا الحوار وهذه المقابلة هم الإسلاميون في الأردن. وفي "منبر" كهذا ، لكل كلمة وتصريح واعتدال وبراغماتية، وامتناع عن إعطاء تصريحات "حربية" معتادة ضد إسرائيل وزنها وتأثيراتها.

التصريحات التي تعطى لوسائل الإعلام الغربية من جانب شخصيات متطرفة أو معتدلة عربية ليست بالمهمة، فالأهم هي التصريحات التي يطلقها هؤلاء في وسائل الإعلام العربية، فهم يدركون أن كل عبارة وكل كلمة غير معتادة يمكن أن يرجمونها عليها. لهذا السبب يمكن وصف المقابلة بالمفاجئة، فإن أقوال مشعل في المقابلة في شهر آب من العام ‏2010‏ يمكن أن توفر "خارطة طريق" من أجل التعرًف على تصرفات حماس في العامين الأخيرين.

بشكل عام، حاول مشعل في المقابلة أن يعرض صورة براغماتية، حيث حرص مشعل ومن قام بإجراء المقابلة معه على التطرق إلى جوانب معتدلة، مرنة، وتوجيه الرسائل إلى العالم الخارجي، حقوق المسيحيين والنساء، العلاقة مع اليهود، حدود استخدام القوة. وامتنع مشعل طوال المقابلة من استخدام مصطلح "من البحر إلى النهر"، ولم يحاول مشعل خلال المقابلة أن يتطرق إلى قضية تحرير فلسطين التاريخية. لكنه لم يتطرق أيضًا إلى إمكانية الاعتراف بشرعية إسرائيل، وهذا ما كان واضحًا خلال المقابلة. لكن الأهم من ذلك هو أن القيادي الحمساوي لم يستغل هذا المنبر الداعم لحماس في إعطاء محاضرات حول الأراضي المقدسة وطرد اليهود وتهجيرهم إلى المكان الذي جاءوا منه وإعادة كل اللاجئين الفلسطينيين إلى الأماكن التي طردوا منها، هذه الحقيقة لها أهمية كبيرة‎".‎

خالد مشعل خلال خطاب له في تركيا (AFP)

خالد مشعل خلال خطاب له في تركيا (AFP)

لكن، هناك من يدعي أن مشعل يبحث عن طريق يسلكه في المرحلة القادمة. فتصريحات رئيس المكتب السياسي خلال زيارته إلى غزة (كانون أول ‏2012‏، في حفل انطلاقة حماس)، والتي أعلن خلالها أن "فلسطين هي عربية إسلامية، فلسطين من البحر إلى النهر من الشمال إلى الجنوب ولن نعترف بالاحتلال الإسرائيلي"، هذه التصريحات والعبارات تساهم في جعل الصورة أكثر تشويشًا وضبابية. هل هنا نتحدث عن تصريحات للجمهور ومحاولة من أجل تهدئة الأصوات الراديكالية في الحركة (مثل محمود الزهار). وإذا لم يكن ذلك كافيًا، هناك التقرير الذي جاء في الصحيفة السعودية "الشرق الأوسط" في شهر كانون ثاني من العام ‏2013‏، الذي جاء فيه أن مشعل قام بتوكيل الملك الأردني عبد الله الثاني بأن يخبّر الرئيس أوباما أن حماس توافق على حل الدولتين، إسرائيل وفلسطين على حدود ‏67‏ (وهو ما تم نفيه من قبل قيادات حمساوية)؟

الرجل القوي على الأرض

يتضح الآن أكثر من ذي قبل، أن الرجل الذي يملك في يديه مفاتيح مستقبل غزة وحماس ليس سوى مشعل.

خالد مشعل يعانق ناشط من عز الدين القسام (AFP)

خالد مشعل يعانق ناشط من عز الدين القسام (AFP)

لا يضمن استمرار العراك في غزة لمشعل إنجازات سياسية عاجلة، خاصة على خلفية فشله في تهييج عاصفة بين الجماهير العربية- بحيث يمكنها رفع الضغط على الحكومات العربية وخاصة تلك التي في مصر، لتغيير موقفها. يرجّح أن يكون مشعل قلقًا من عدد القتلى والجرحى من السكان الفلسطينيين، ومن الدمار الهائل في غزة.

هذا قلق ذو بعدين، قلق تجاه الجمهور الفلسطيني المسؤولة عن سلامته حماس، وقلق لا يقل عنه تجاه التبعات السياسية المستقبلية التي يمكن أن تنتجها هذه الحرب. يجب أن يضع مشعل في حسبانه الانتخابات التي ستجري في آخر هذه السنة أو في بداية السنة القادمة للرئاسة، البرلمان الفلسطيني والمجلس الوطني الفلسطيني. تنوي حماس الترشح في كل هذه الدوائر الانتخابية، ويتطلب منها منذ الآن تقدير أي تأثير سيكون للحرب على مركزها وقدراتها لإقصاء فتح من المؤسسات الوطنية الفلسطينية.

في لبنان مثلا، استمر حزب الله في أن يكون عاملا مؤثرًا وحاسمًا في السياسة اللبنانية رغم أن نتائج حرب 2006 اعتبرت خسارة موجعة للمنظمة. مقابل ذلك، خسرت فتح في السلطة الفلسطينية أمام حماس خسارة فادحة في انتخابات 2006، كعقاب لفتح على إداراتها الفاسدة. في غياب الأدوات الناجعة لقياس نبض الجماهير، على حماس أن تقرر من الآن إن كان وقف إطلاق النار القريب سيكون لصالحها فيما بعد، أو أنها قد خسرت لتوّها تأييد جمهورها ويمكنها أن تحوز على بضع نقاط لصالحها في حال استمرت في القتال.