قطاع غزة يحتدم مجددا.فبعد أسبوعين من إعلان الجيش الإسرائيلي عن الكشف عن نفق هجومي حفرته حماس إلى داخل أراض إسرائيلية مجاورة، يبدو أنّ حدّ التوتر في الحدود لا يزال مرتفعا جدا. أُطلِقت أمس (الثلاثاء) نيران من سلاح خفيف تجاه آليات هندسية للجيش الإسرائيلي والتي كانت تعمل قرب الحدود في شمال القطاع. وقد حدث إطلاق النار، الذي لم يتسبب بمصابين، بعد ساعات قليلة من انتهاء جولة رئيس الحكومة، وزير الدفاع، ورئيس الأركان في الحدود الجنوبية للقطاع، والتي زاروا خلالها النفق الأخير الذي كُشف عنه.

وتعود مسؤولية إطلاق النار، كما يبدو، إلى عناصر في أحد التنظيمات السلفية، التي تنتهك توجيهات حكومة حماس في القطاع بالامتناع عن الاحتكاك العسكري المباشر مع إسرائيل. ولكن في الوقت الذي تنشر حماس مئات الأفراد من القوات والتي تهدف إلى منع الهجوم على الجيش الإسرائيلي على طول الحدود، فإنّها تستمر أيضًا في تهديدها. في احتجاج أقيم في غزة يوم الخميس الماضي حذّر الناطق باسم الجناح العسكري لحركة حماس، "للمرة الأخيرة" على حد قوله، أنّ "الخيار هو رفع الحصار عن غزة أو الانفجار". في الوقت نفسه، أطلقت حماس حملة دعائية كبيرة على لافتات الشوارع في القطاع. تتوجه إحداها إلى رئيس الحكومة نتنياهو، بالعبرية وكُتب فيها: "ما زال جنودك في غزة". وبجانب صورة نتنياهو وُضعت صور جنديّي الجيش الإسرائيلي اللذين تحتجز حماس جثتيهما ومواطنَيْن إسرائيليين تحتجزهما حماس بعد أن اجتازوا الحدود للقطاع. وفي مُلصَقات أخرى تظهر تدريبات رجال الجناح العسكري "وراء خطوط العدوّ" وصورة صاروخ تحت عنوان "الرعب القسّامي".

نتنياهو يزور أحد الأنفاق التي تم كشفه مؤخراً (GPO)

نتنياهو يزور أحد الأنفاق التي تم كشفه مؤخراً (GPO)

إن بيت القصيد من هذه الملصقات واضح جدّا. تعيش حماس تحت ضغط مزدوج. فمن جهة، الوضع الداخلي في قطاع غزة صعب. وتجد الحركة صعوبة في صيانة بنية تحتية بحد أدنى بحيث تتيح حياة عادية (إمدادات الكهرباء، مياه الشرب، شبكة صرف صحي صالحة) ولا تنجح في تحسين علاقاتها المتوترة مع مصر. ومن جهة أخرى، تعلن إسرائيل أنّها طوّرت حلا تكنولوجيا للعثور على الأنفاق وتستمر في أعمالها الهندسية الحثيثة على طول الحدود. منذ أن انتهت جولة القتال الأخيرة في القطاع، عملية "الجرف الصامد" في صيف عام 2014، استثمرت المنظومة الأمنية نحو 600 مليون شاقل في تطوير تكنولوجيا مضادّة للأنفاق. وعدت الولايات المتحدة إسرائيل بمساعدة خاصة بحجم 120 مليون دولار في السنوات الثلاث القادمة لهذا الهدف - ومن المتوقع أن تزداد الاستثمارات أكثر.

بشكل نسبي، شكلت الأنفاق قصة النجاح الرئيسية لحماس في الحرب الأخيرة. لم يكن إطلاق الصواريخ المكثّف فعّالا، لأنّ معظمها سقطت في أراض مفتوحة أو تمّ اعتراضها من قبل بطاريات "القبة الحديدية" وكان عدد المصابين الذين تسببت بهم في إسرائيل قليلا نسبيًّا. من خلال الأنفاق الهجومية حققت حماس مفاجأة، أحرجت فيها الجيش الإسرائيلي وتسببت أيضًا بعدة خسائر. يبدو أن هذه بقيت الورقة الرئيسية لحماس قبيل أية جولة قتال مستقبلية - ومن هنا أيضًا الاستثمار الكبير للحركة في الوسائل والموارد لمحاولة إعادة إعمار منظومة الأنفاق الهجومية.

حركة حماس في استعراض فوة في القطاع (Flash90/Abed Rahim Khatib)

حركة حماس في استعراض فوة في القطاع (Flash90/Abed Rahim Khatib)

إن النجاح الإسرائيلي المحتمل في العثور على المزيد من الأنفاق يقلق حماس، لأنه يهدد الإنجاز المستقبلي وروحها القتالية أيضا. يبدو أن هذه هي خلفية التهديدات المتجددة ضدّ إسرائيل، وإلى جانبها رسالة الجناح العسكري لحركة حماس إلى ذراعها السياسية، التي يتحفظ قادتها من استئناف القتال.

كل ذلك لا يقود بالضرورة إلى مواجهة أخرى ولكن هذه الأمور ترفع من درجة الغضب في كلا الجانبين. وفي الخلفية، تجري أيضًا عمليات في القدس الشرقية وفي الضفة الغربية. ما زال عدد العمليات قليلا، بالتأكيد مقارنة مع ما حدث في الضفة قبل شهور قليلة فقط، ولكن لا مجال للحديث عن تهدئة تامة للوضع. ستحدث العمليات من وقت لآخر، رغم الجهود المتزايدة من قبل إسرائيل وأجهزة السلطة الفلسطينية لإحباطها.

نُشر هذا التحليل للمرة الأولى في صحيفة "هآرتس"