مع سقوط حكم الإخوان في مصر وبعد الابتعاد عن إيران، حزب الله وسوريا في السنوات الأخيرة، بقيت منظمة حماس من دون دعم مالي ومع القليل جدا من الشركاء الأيديولوجيين في المنافسة من هو الخاسر الأكبر من الأحداث الأخيرة التي حدثت في مصر، مرسي والإخوان المسلمين يتفوقون على زعامة حماس بنقاط معدودة فقط. وفي الوقت الذي خسر فيه الإخوان المسلمون معظم ما يمكن أن يخسروه، بدأت حماس بالتخوف من أنها في بداية المنحدر.

لقد راهنت حماس في السنوات الأخيرة على كافة الخيول غير الصحيحة. بعد ترك دمشق المتأخر (بعد عدة أشهر من بدء الحرب بين الأسد والثوار) بدأ تدهور في العلاقات مع إيران وحزب الله. حلت إمارة قطر محل الإيرانيين كمزودة أموال نقدية في السنة الأخيرة، التي قدمت لغزة الوقود مجانا ونحو 450 مليون دولار. ولكن ولي نعمة مشعل، أمير قطر حامد بن خليفة آل ثاني قد أورث عرشه إلى ابنه الذي يعترض على سياسة الدعم السخي الذي قدمه والده.

غير أن هذه التغييرات لم تقلق زعامة حماس حتى تاريخ 30 حزيران، حيث رأت ارتفاع شأن الإخوان المسلمين في مصر كخشبة نجاة. منذ انتخاب مرسي، وجهت حماس وجهها إلى مصر وظهرها إلى إسرائيل وإلى عباس. وقد تمتعت حماس بالدعم السياسي والأيديولوجي اللذان منحها إيهما الإخوان، إلى حد دعاها إلى تبني الإملاءات المصرية لتطبيق وقف إطلاق النار مع إسرائيل، وبعد حملة "عمود السحاب" في القطاع في شهر تشرين الثاني من العام الماضي.

خالد مشعل يعانق ناشط من عز الدين القسام (AFP)

خالد مشعل يعانق ناشط من عز الدين القسام (AFP)

ولكن منذ منتصف شهر حزيران، شعرت حماس بالأرض ترتعد تحت أقدامها. وصل وفد من حماس برئاسة الزعماء خالد مشعل واسماعيل هنية في زيارة اعتيادية إلى مصر، غير أنه على خلفية اللقاءات، كانت قد انتظرت الوفد مفاجئة غير سارة. وحسب التقارير الواردة من وسائل الإعلام العربية، تظاهر مئات الأشخاص أمام الفندق الذي استضيف فيه الفلسطينيون وطالبوا بطردهم من على أرض مصر. خلال المظاهرة أمام الفندق، هتف المتظاهرون: "لا لمشعل ولا لهنية، إنهما منظمة إرهابية"، "سيناء للمصريين وليست لحماس".
وقد وصلت هذه الهتافات إلى آذان كبار قادة الجيش المصري الذين وضعوا علامة على حماس كعدو حتى قبل مظاهرات الثلاثين من حزيران. لقد تحولت تحذيرات عدم التدخل، بعد سقوط النظام، إلى حملة عسكرية شاملة ضد حماس وأهداف الجهاد العالمي في شبه جزيرة سيناء.

وكعادتهم في السنوات الأخيرة، ردت زعامة حماس بارتباك على التغييرات، واختاروا الحفاظ على الهدوء حاليا وعدم دعم أي من الأطراف في مصر. لم تتأخر الانتقادات الموجهة إلى زعماء المنظمة، وخاصة خالد مشعل، من قبل الجناح العسكري، بادعاء أن الاقتراب من القاهرة قد قطع المساعدة الحيوية التي تقدمها إيران.

وقد تحولت الحدود الساخنة بين إسرائيل وغزة إلى حدود القطاع الهادئة. منذ انتهاء حملة "عمود السحاب" في شهر تشرين الثاني من العام الماضي، وبسبب الأمر الذي أصدره الإخوان لحماس، يسود الهدوء على الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة. وبعد نصف سنة من الحملة، تم إطلاق 24 قذيفة من القطاع باتجاه الأراضي الإسرائيلية، مقابل 171 قذيفة في الفترة الموازية بعد انتهاء حملة "الرصاص المصبوب" في العام 2009. وقد أقامت حماس منظومة أمنية خاصة، تشمل مئات الأشخاص، ووظيفتها الرئيسية هي كبح جماح المنظمات الصغيرة ومنع إطلاق القذائف إلى إسرائيل.

وقد استجابت حماس بذلك، كما ذكرنا، إلى الضغط المصري، ولكن يبدو أن الهدوء يجسد توجها أوسع من قبلها: الحفاظ على السلطة في غزة وتحسين الاقتصاد هما الآن في قمة سلم أفضلياتها. في هذه الأثناء، تركز المنظمة على إنتاج صواريخ داخل مناطق القطاع كبديل لوقف تهريب صواريخ "فجر 5" من إيران. وقد اعتاد سكان القطاع، في الأشهر الأخيرة، على سماع إطلاق محاولات تجريبية لصواريخ من قواعد ونقاط تابعة للأذرع العسكرية المختلفة في القطاع.

مقابلة بين مرسي ومشعل في القاهرة (AFP)

مقابلة بين مرسي ومشعل في القاهرة (AFP)

ولكن تورط حماس في مصر قد يمنع المنظمة من إحراز أهدافها في المجال الاقتصادي، وتظهر بصمة إصبع حماس ونقائلها في المزيد من الأحداث في إطار حملة الجيش المصري في سيناء. وقد نشرت صحيفة المصري اليوم أمس أن الصواريخ التي تم استخدامها ضد الجيش المصري في العريش كانت من نفس النوع الذي استخدمته حماس ضد أهداف إسرائيلية خلال حملة "عمود السحاب". وكانت مصادر عسكرية قد أبلغت "الحياة" قبل أسبوعين أن الجيش المصري قد قتل عشرات من مسلحي حماس في مواجهات في مختلف أنحاء شبه جزيرة سيناء. وأشار المصدر إلى أن نشطاء الجناح العسكري في حماس، فصائل عز الدين القسام، قد انضمت إلى جهات محلية في الجهاد لبسط الإرهاب في سيناء. لقد اعترف أن قوات الأمن تواجه صعوبة في وقف النشاطات الإرهابية ضدها. "يدخل إرهابيو حماس إلى سيناء من قطاع غزة عن طريق الأنفاق، وهم ينضمون إلى عناصر إرهابية محلية في تنفيذ هجمات ضد قوى الأمن المصرية، وعندها يعودون إلى قطاع غزة أو يختبئون في مناطق سيناء الجبلية".

وقد صرح الخبير الأمني العميد رشدي غانم لصحيفة "الشروق" أن المجموعات الجهادية والتكفيرية في سيناء لا يتجاوز عددها ‏5‏ آلاف عنصر، بعضهم مدرب على استخدام السلاح بواسطة خبراء من غزة، ملقيا الاتهام أيضا نحو فلسطينيين توافدوا بعد سيطرة حركة حماس على الأوضاع في غزة باللجوء إلى الأراضي المصرية، وأغلبهم يتبع محمد دحلان قائد الأمن الوقائي الفلسطيني.

تدمير أنفاق على الحدود المصرية وقطاع غزة (AFP)

تدمير أنفاق على الحدود المصرية وقطاع غزة (AFP)

وحول مصادر السلاح أكد الخبير الأمني، أن ليبيا والسودان هما مصادر رئيسية لوصول السلاح إلى سيناء، إلا أنه ألقى بمسئولية التدريب على عناصر فلسطينية تسللت عبر الأنفاق والتي تعد خطرا داهما على أمن مصر. فيما يقول مقربون من أوساط الجماعات الدينية المتشددة، أن نوعيات التسليح المستخدمة وصلت لسيناء من ليبيا حيث تأتى بالأساس لقطاع غزة، ويتبقى منها جزء في سيناء للبيع في الأسواق السوداء أو الاقتناء، وتستخدمها الفصائل الجهادية المدربة فعليا والتي يقدر عدد أفرادها بنحو ‏150‏ إلى ‏200‏ فرد مدربين جيدا على استخدامها.

وقد ذهبت صحيفة الوفد إلى أبعد من ذلك وانتقدت وقاحة المنظمة في مطالبتها الجيش المصري وقف تدمير الأنفاق بين مصر وغزة، في الوقت الذي تُعتبر سلطة حماس هي الرابح الأكبر من صناعة التهريب، إذ أنها تسيطر على الأنفاق (تم استخدام الأنفاق كأحد أهم مصادر دخل حكومة حماس، التي فرضت ضرائب على أي بضاعة يتم إدخالها إلى غزة) وعناصر إجرامية في شبه جزيرة سيناء، في الوقت الذي يتم فيه توجيه العتاد العسكري المهرب ضد جنود الجيش المصري.

لقد زادت ضائقة المنظمة إلى حد اختار فيه خالد مشعل، للمرة الأولى منذ سقوط نظام مرسي، إجراء مقابلة حول هذا الموضوع أمس. وقد توخى مشعل الحذر وعدم التطرق إلى الجيش المصري خوفا من تفاقم الوضع وفضل انتقاد وسائل الإعلام المصرية على تحريضها ضد الحركة.

في هذه الأثناء، تصل معظم البضائع القادمة إلى غزة عن طريق إسرائيل، غير أن كميات البضائع التي تدخل إلى غزة قليلة جدا مقارنة بالأحجام الممكنة، وتوجه إسرائيل اصبع الاتهام إلى قرار حماس عدم زيادة الكميات، وتعلل ذلك بالحقيقة أنه خلافا للأنفاق، فإن حماس لا تجبي الضرائب على البضائع الواردة عبر المعابر، لأن هذه المعابر ما زالت تُدار من قبل متعهدي تنفيذ موالين لحركة فتح.

يبلغ موقع المونيتور، في هذه الأثناء عن أن محمد الزهار، الخاسر الرئيسي في الانتخابات الأخيرة في حماس، ينجح في تجنيد أموال طائلة من طهران. في أعقاب الحقيقة أنه يحافظ على علاقاته بإيران حتى بعد إقصائه، وفي الوقت الذي دخلت فيه زعامة الحركة في أزمة حادة وعلنية. وتفيد الصحيفة أن الزهار يعزز مكانته، بالأساس بين أوساط الجناح العسكري في المنظمة وحتى أنه يوثق علاقاته مع مروان عيسى، الذي خلف أحمد الجعبري كرئيس للجناح العسكري.

من الصعب أن نعرف إلى ماذا ستؤدي بحماس الضغوط الخارجية والداخلية، وخاصة في الوقت الذي لم تبق هناك خيول كثيرة يمكن المراهنة عليها في المنطقة.