يجلب شهر أيار معه إلى إسرائيل الحرّ والرطوبة، ورغبة الناس في الفرار من الطقس الحارّ. وكلّما اشتد الحرّ في الصيف، ازدادت رغبة الناس للتبريد وتصبح طرق تحقيق ذلك أكثر إبداعا. ستجدون معظم الإسرائيليون على شواطئ البحر المتوسّط، يستمتعون بالمياه اللطيفة، وستبقى نسبتهم الأكبر في المنزل أو في مراكز التسوّق حيث يتبردون بهواء المكيّفات البارد.

ولكن في السنوات الماضية، هناك ظاهرة آخذة بالازدياد تمثّل بديلا لمياه البحر المالحة، وخصوصا في الأماكن البعيدة عن شواطئ البحر: جبال الجليل في الشمال، جبال القدس، منطقة البحر الميت في الجنوب. البديل هو المياه الحلوة التي تنبع في زوايا مخفية في أماكن عديدة داخل دولة إسرائيل. من بينها ينابيع تنبع داخل برك كبيرة، ومن بينها تلك التي تصبّ داخل حفر صغيرة ومظلمة.

أطفال في "عين لافان" قرب القدس (Michal Fattal/FLASH90)

أطفال في "عين لافان" قرب القدس (Michal Fattal/FLASH90)

هكذا يبدو قضاء الوقت الإسرائيلي الأكثر شيوعا عند الينبوع: عادة، المكان سرّي ومعروف فقط لمجموعة صغيرة ولكنها مختارة. هناك في كل مجموعة من الشبان الإسرائيليين شخص واحد يُعتبر "خبيرا"، وهو الذي يعرف الطريق الملتوية، بطرق معطلة وخفية، للوصول إلى الينبوع. وهو الذي يقود المجموعة، وهناك يفرشون الحصيرة، يُخرجون موقد الغاز النقال ويضعون عليه البكرج مع القهوة.

وفي إسرائيل، بطبيعة الحال، لا شيء يكون بسيطا أبدا. الينبوع هو أيضًا نقطة لقاء بين أصحاب الآراء المختلفة في المجتمع الإسرائيلي والمجتمع الفلسطيني. يلتقي في الينابيع التي تقع على الحدود الجنوبية للقدس سكان القدس اليهود بسكان قرية الولجة المجاورة، ويستحمّون معًا.

اليهود والعرب يستحمّون معا في العين قرب قرية الولجة والقدس (Yonatan Sindel/Flash90)

اليهود والعرب يستحمّون معا في العين قرب قرية الولجة والقدس (Yonatan Sindel/Flash90)

في ينبوع قرية لفتا التي دُمّرت في حرب عام 1948 يستحمّ العرب واليهود العلمانيون واليهود المتديّنون من الأحياء الدينية المجاورة معًا. يعتقد المتديّنون أنّ الاستحمام في الينبوع قبل الصلاة هو عمل مبارك للتطهير والتنقية النفسية.

"عين قرية لفتا" عند مدخل مدينة القدس (Yonatan Sindel/Flash90)

"عين قرية لفتا" عند مدخل مدينة القدس (Yonatan Sindel/Flash90)

تحوّل الكثير من ينابيع الجليل، المجاورة في حالات كثيرة لقبور حاخامات يهود يُعتبرون مقدّسين، إلى أماكن قضاء الأوقات المفضّلة لدى الشبان المتديّنين والغريبين بعض الشيء، حيث يهرب الكثير منهم من بيوتهم ويستسلمون لنمط حياة نصف ديني ونصف منحلّ. يستمتع الكثير من الشبان بالاستحمام في الينبوع قبل أو بعد زيارة "قبور الصالحين".

"عين شويرح" في هضبة الجولان

"عين شويرح" في هضبة الجولان

وأحد الجوانب المثيرة للاهتمام في هذا السياق هو أسماء الينابيع. لدى الكثير من الينابيع أسماء عربية، والتي تم حفظها خلال الأجيال مثل "عين البلد"، وهو الاسم الشائع لينابيع عديدة في العالم العربي، وكذلك "عين المسرج"، "عين الشقف"، "عين الخندق" بالإضافة إلى ينابيع عديدة أخرى.

ولكن في السنوات الأخيرة يقوم الكثير من الإسرائيليين برعاية وإعادة ترتيب ينابيع انسدّت، ويسمّونها على اسم أصدقائهم الذين قُتلوا في الحروب. على سبيل المثال، "عين إيتمار" المجاورة للقدس تمّت تسميتها على اسم إيتمار دورون، الذي قُتل من قبل الفلسطينيين في منطقة العين. تم ترتيب "عين جرس" المجاورة للقدس ورعايتها لذكرى كيريل جولنشين، الذي قُتل في قطاع غزة. وسُمّيتْ "عين شوكو" في هضبة الجولان على اسم الجندي ماتان جدري، الذي كان يُلقّب "شوكو"، والذي قُتل في عملية عسكرية في منطقة الخليل.

"عين إيتمار" قرب القدس، على اسم إيتمار دورون، الذي قُتل من قبل الفلسطينيين في مكان قريب

"عين إيتمار" قرب القدس، على اسم إيتمار دورون، الذي قُتل من قبل الفلسطينيين في مكان قريب