شكّلت قمّة "حلف الناتو" في ويلز التي استمرت حتى 4 أيلول/سبتمبر، فرصة ذهبية لرئيس الوزراء التركي الجديد أحمد داوود أوغلو. فبعد مرور فترة ظنّت فيها أنقرة أنّ مستقبل تركيا يكمن في الشرق الأوسط فقط، أظهرت الأحداث الأخيرة أهمّية التحالفات الأوروبية للبلاد. وفي ويلز، يستطيع السيد داوود أوغلو البدء في إصلاح هذه العلاقات التي عانت من الإهمال.

منذ تسلّمها السلطة في عام ٢٠٠٢، حوّلت حكومة "حزب العدالة والتنمية" اقتصاد تركيا، وجعلت بذلك البلاد مجتمعاً أغلبيته من الطبقة الوسطى. ويعيش الأتراك اليوم حياةً أفضل من تلك التي عاشوها في أي وقت مضى في التاريخ المعاصر. ويترافق هذا الازدهار الذي لم يسبق له مثيل مع شعور قويّ بالعجرفة لدرجة ظنّ فيها رئيس الوزراء الأسبق والرئيس الحالي رجب طيب إردوغان، ومستشاره ثمّ وزير خارجيته السابق حتى نهاية آب/أغسطس، أحمد داوود أوغلو، أنّهما يستطيعان بمفردهما إعادة تشكيل الشرق الأوسط.

رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان (KAYHAN OZER / PRIME MINISTER PRESS OFFICE / AFP)

رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان (KAYHAN OZER / PRIME MINISTER PRESS OFFICE / AFP)

وهكذا، تخلّى "حزب العدالة والتنمية" عن الفكر الكمالي الذي شكّل الأخلاقيّات التأسيسيّة لتركيا. فمصطفى كمال أتاتورك، أوّل رئيس للبلاد، الذي رأى تركيا بلداً أوروبيّاً. وساد اعتقاد في صفوف خلفائه أنّ كون تركيا عضواً في كلّ مؤسسة أوروبية وعبر المحيط الأطلسي، من "حلف شمال الأطلسي" إلى "منظمة التعاون والتنمية"، فقد قُدر لمصير البلاد أن يكون في أوروبا والغرب. لقد ارتبط الأتراك بالشرق الأوسط كما يرتبط الأرجنتيّون بأمريكا اللاتينية. وكما يرى الأرجنتيون أنفسهم أوروبيين وصادف أنّهم يعيشون في أمريكا اللاتينية، رأى الكثيرون من الأتراك أنفسهم كأوروبيّين صادف أنّم يعيشون بالقرب من الشرق الأوسط.

وبصفته كبير الخبراء الاستراتيجيين في سياسة تركيا الخارجية منذ عام ٢٠٠٢، تحدّى أحمد داوود أوغلو هذا النموذج من خلال التلميح بأنّ على تركيا أن تكون "برازيل الشرق الأوسط"، أي أن تتمتّع باقتصاد إقليمي مهيمن قادر على إدارة دفّة الأحداث. ولم تكن تركيا بحاجة إلى حلفاء غربيين في الشرق الأوسط في ظلّ هذا التوجّه الجديد الذي تتبعه.

وقد بدا هذا التحوّل جليّاً في تورّط أنقرة في الحرب السورية، إذ فتحت تركيا حدودها الممتدة على طول ٥١٠ ميلاً لدعم الثوّار ضدّ نظام الرئيس بشّار الأسد. كذلك، تدخّلت تركيا في السياسة العراقية، ودعمت الأكراد في وجه الحكومة المركزية في بغداد. كما دعمت أنقرة الأحزاب التي تدور في فلك جماعة «الإخوان المسلمين» في ليبيا وسوريا ومصر. وقد قامت أنقرة بكلّ ذلك أملاً منها في تحويل هذه المعطيات لكي تصبّ في مصلحة وكالاتها ذات النفوذ في الشرق الأوسط.

إلّا أنّ هذه المناورة قد أسفرت عن نتائج كارثية. فللمرّة الأولى في تاريخها، تورّطت تركيا في الحرب الأهلية الدائرة في بلد مجاور وهو سوريا، ولا ترى نهاية لهذا التورط في الأفق. كما أنّ سياسة أنقرة في دعم الأكراد في العراق قد أتت بنتائج عكسية، إذ جمّدت بغداد العلاقات التجارية التركية مع باقي أنحاء البلاد. وهكذا، وكحدث آخر لا سابقة له، خسرت تركيا جميع طرق وصولها إلى الشرق الأوسط. فحدودها مع العراق وسوريا مغلقة.

الرئيس الإيراني حسن روحاني مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته في تركيا (ADEM ALTAN / AFP)

الرئيس الإيراني حسن روحاني مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته في تركيا (ADEM ALTAN / AFP)

أمّا في مصر، فليست هناك رغبة بتركيا بسبب دعمها لـ جماعة «الإخوان المسلمين». فالمصريّون يلومون أنقرة لعدم بنائها جسوراً مع المجتمع الأوسع. وفي ليبيا وسوريا، قام المتطرّفون بتهميش أعضاء «الجماعة» الذين تدعمهم تركيا. بالإضافة إلى ذلك، إن السعوديين الذين يعملون جاهدين ضدّ «الإخوان المسلمين» في جميع أنحاء المنطقة يكرهون تركيا بسبب دعمها المتعنّت لـ «الجماعة».

وانهارت قاعدة "اللانزاع" القائمة منذ زمن طويل والتي تحكم العلاقات التركية- الفارسية في ظلّ حكومة "حزب العدالة والتنمية". فتركيا وإيران تجدان نفسيهما اليوم عالقتَان في دوّامة حرب بالوكالة بحكم دعم طهران لنظام الأسد في دمشق وحكومة بغداد، وتهديدها بذلك لمصالح أنقرة الجوهرية في سوريا والعراق. لذا، فباستثناء قطر الموالية لـ «الإخوان المسلمين» وأكراد العراق، تجد أنقرة نفسها من دون أي حلفاء أو وكلاء أو أصدقاء في الشرق الأوسط.

وقد خسرت تركيا أيضاً إسرائيل، بعد أن كانت هذه الأخيرة حليفاً ديمقراطيّاً مهمّاً لها قبل عام ٢٠٠٢، من خلال بنائها علاقات أوثق مع «حماس». وقد أكّد مؤيّدو "حزب العدالة والتنمية" أنّ اعتماد تركيا موقفاً أكثر قسوة تّجاه إسرائيل كان شرّاً لا بدّ منه لكسب تأييد العرب. لكن اليوم، لا العرب ولا إسرائيل هم أصدقاء تركيا.

وتأتي هذه المعطيات في وقت خطر جدّاً، إذ تقوم اليوم دولة إسلامية متطرّفة وخطرة على حدود تركيا، وذلك في العراق وسوريا، التي تشاطر أيديولوجية تنظيم «القاعدة» ومهارات حركة «طالبان» في فنّ الحكم والفكر. وقد وصل بعض هؤلاء الجهاديون إلى سوريا عبر تركيا.

لاجئون سوريون في الحدود السوري التركي (AFP)

لاجئون سوريون في الحدود السوري التركي (AFP)

وقريباً، قد تتحوّل هذه الأزمات المتفاقمة في السياسة الخارجية إلى تحدّيات سياسية داخلية تواجه رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو والرئيس رجب طيب إردوغان و"حزب العدالة والتنمية". إنّ نجاح تركيا الاقتصادي هو نتيجة لاستقرارها في منطقة غير مستقرّة. ويصل قدر الاستثمار الخارجي المباشر في البلاد الذي حطّم الأرقام القياسية إلى ٥٠ مليار دولار أمريكي سنويّاً، مما يعزز نموّ تركيا ونجاح أحمد داوود أوغلو الانتخابي. لكن مع تهديد تنظيم «الدولة الإسلامية» لنموّ تركيا، ستنحسر الاستثمارات الدولية، ولن تكون حظوظ رئيس الوزراء داوود أوغلو في الانتخابات البرلمانية لعام ٢٠١٥ مبشّرة بالنجاح.

بيد، بالرغم من أنّ تورّط أنقرة في الشرق الأوسط لم يكن ناجحاً حتّى الآن، إلّا أنّ الأوان قد فات للعودة إلى نموذج الفكر الكمالي القاضي بتجاهل الشرق الأوسط بالكامل. فتركيا هي جزء من واقع الشرق الأوسط والاضطرابات التي يعيشها. وخلال قمّة "حلف الناتو" وبعدها، سيكون رئيس الوزراء داوود أوغلو حذراً في الاستيحاء من قواعد الفكر الكمالي وإعادة تطوير تعاون مناسب مع حلفاء تركيا السابقين وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة والأوروبيين للتصدّي لخطر تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» والمشاكل الشرق أوسطية الأخرى معاً.

نشرت هذه المقالة لأول مرة على موقع معد واشنطن