وقّع نتنياهو أمس (الأربعاء)، قبل أقل من ساعة ونصف على نهاية الوقت الذي تم تحديده له لتشكيل حكومة، على الاتفاق الائتلافي الأخير مع حزب "البيت اليهودي"، وضمن بذلك تشكيل الائتلاف، ولكن مع غالبية في الحدّ الأدنى من 61 مقعدا من بين 120 من مقاعد الكنيست. لو كان قد فشل، بالمناسبة، فمن المتوقع أن يكلّف رئيس الدولة عضو كنيست آخر بمهمّة تشكيل الحكومة، في هذه الحالة يبدو أنّه سيكون رئيس حزب العمل، يتسحاق هرتسوغ.

بعد أن أعلن وزير الخارجية الحالي، أفيغدور ليبرمان، في بداية الأسبوع، أنّه ينوي الاستقالة من منصبه وعدم الانضمام إلى حكومة نتنياهو رغم أنّه كان أحد الشركاء الطبيعيين والمرتقبين، بقي نتنياهو في مأزق: "الشريك الطبيعي" الوحيد الذي تبقى له من أجل النجاح في تشكيل حكومة هو نفتالي بينيت، رئيس "البيت اليهودي". أدرك بينيت ذلك جيّدا، وقرّر، عن حقّ، أن يمارس ضغوطا على نتنياهو من أجل الحصول على حقيبة كبيرة أخرى، على صورة وزارة العدل لعضو حزبه أييلت شاكيد.

اعتُبر تنازل "البيت اليهودي" من قبل أوساط المحللين في إسرائيل بمثابة التوقيع الأخير الذي يثبتُ فشل نتنياهو. بعد أسابيع طويلة من المفاوضات، رغم أنّه نجح في تشكيل ائتلاف وضمان ولاية رابعة لنفسه كرئيس حكومة، ولكن الائتلاف الذي شكّله كان ضيّقًا، ممّا قد يجعله مستقبلا معرّضا لطلبات وابتزازات كل واحد من الأحزاب فيه، والتي من المرتقب أن تهدّد بتفكيك الائتلاف إذا لم يستجب نتنياهو لها.

بالإضافة إلى ذلك، فالتعيين الأخير لأييلت شاكيد كوزيرة للعدل، اعتُبر فشلا شخصيا لنتنياهو، والتي كانت في الماضي مديرة لمكتبه، ولكنها تركته بسبب صراع معه ومع زوجته سارة، ويُعتبرون اليوم "أعداء". كذلك على المستوى السياسي، فإنّ اضطرار نتنياهو للتخلّي عن حقيبة أخرى لحزب "البيت اليهودي"، خصمه اليميني، يُعتبر فشلا.

"أقيمت حكومة نتنياهو الرابعة بدماء، عرق ودموع نتنياهو والليكود"، كما كتب محلّل "هآرتس" يوسي فيرتر. وقد وصف المفاوضات الائتلافية أيضًا، والتي استمرت حتى الدقيقة الأخير، بأنّها "مفاوضات فاشلة فرّغت حزب الليكود من معظم ممتلكاته".

وبالفعل، فالخاسر الأكبر من الائتلاف المتشكّل، سوى نتنياهو، هو أيضًا أعضاء حزبه. بعد الانتصار الكبير في الانتخابات، مع اكتساح ربع مقاعد الكنيست، بقي أعضاء الليكود مع عدد أقل من الحقائب، بالإضافة إلى عدد أقل من الحقائب الكبرى. ولكن انسحاب ليبرمان جعل حقيبة الخارجية الكبيرة شاغرة، ولكن بداية، يبدو أن نتنياهو ما زال يحتفظ بها في محاولة أخيرة لإدخال "المعسكر الصهيوني"، برئاسة يتسحاق هرتسوغ للحكومة، وثانيا، حتى لو لم يحدث ذلك، فالصراع على هذه الحقيبة من المتوقع أن ينشئ صراعات وخصومات بين أعضاء الليكود الذين سيجدون أنفسهم يتوسّلون أمام نتنياهو.

قضية أخرى إشكالية في الائتلاف الذي تمّ، هو الغياب التام للمسألة السياسية عنه. كما تشير المحللة والمدوّنة السياسية تال شنايدير، فللمرة الأولى منذ عشرين عاما، وللمرة الثانية فقط منذ قيام الدولة، لم يتم ذكر عملية السلام، المفاوضات مع الفلسطينيين وترسيم حدود البلاد كشروط للانضمام إلى الائتلاف. كانت المرة السابقة، بالمناسبة، حكومة نتنياهو الأولى عام 1996.

رغم أنّ الأمر قد سهّل على نتنياهو في المفاوضات الائتلافية، ولكن من المتوقع أن يصعّب جدّا من سلوكه المستقبلي. إذا لم يعمل على تجديد المفاوضات، فسيكبر الصدع السياسي مع الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن تمارس الأخيرة ضغوطا، اقتصادية أيضًا، ولكن الأخطر من ذلك، ضغوطا سياسية، عندما تدعم الفلسطينيين في الأمم المتحدة. من جهة أخرى، إذا سعى نتنياهو للعمل في المجال السياسي، فمن المتوقع أن يجد معارضة حقيقية من داخل الائتلاف اليميني الضيق الذي شكّله، وقد يفكّك الأمر هذا الائتلاف، أو يجعله مضطرا إلى إدخال حزب آخر، ممّا يعني التنازل عن وزارات حكومية أخرى.

يبدو إذن أنّ نتنياهو قد نجح في تشكيل حكومة، ولكنه لم يحرص منذ البداية على أدائها، وأنشأ حالة تُبشر بالفشل مسبقا، هذا - على الأقل - بحسب رأي معظم المحلّلين في إسرائيل. ومع ذلك، يبدو أنّ نتنياهو سينجح في ممارسة سحره السياسي، وأن "يصنع سحر سحب الأشياء من القبعة" مجدّدا، كما يتمكّن من القيام في كلّ مرّة من جديد.