انتهت الأسبوع الماضي الجولة الأولى من المحادثات في موسكو بين ممثلي الرئيس السوري بشار الأسد وبعض شخصيات المعارضة السورية. أما النتيجة، فلم تكن مفاجئة. اتفق الجانبان على إجراء جولة ثانية من هذه المحادثات المبنية على مبادرة روسية من أجل التوصل إلى سلام في سوريا، من دون تحديد الموعد.

أكثر المعارضين المنادين بالحل السياسي والجلوس على طاولة الحوار من أمثال الرئيس السابق للائتلاف السوري المعارض، معاذ الخطيب، رفضوا الدعوة للمشاركة في المحادثات لعدم اتضاح الرؤية ولعدم لمس جدية وخطوط عريضة واضحة يمكن أن يبنى على أساسها مشروع سياسي يوقف الحرب ويضع حداً لزحف تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام." كما أن الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة رفض مشاركة أعضاءه في المحادثات وهذا يعني عدم ثقتهم بالراعي للمفاوضات والجانب الآخر، أي النظام السوري. لكن لماذا قامت روسيا بلعب دور الراعي لمحادثات السلام بين النظام والمعارضة؟

تريد موسكو أن تنقذ رَجُلَها في دمشق وتثبت للغرب أنها تسعى للمصالحة وبأنها ليست قوة معرقلة للحل السياسي السوري، كما أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يريد أن تلعب بلاده دوراً في سوريا شبيهاً لدور واشنطن في عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل. علاوةً على ذلك، تسعى موسكو لإعطاء الأولوية لمكافحة الإرهاب المتمثل بتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" كي تؤلف حلفاً بين أعداء الأمس - النظام والمعارضة - ليكونوا هم وقود الحرب على هذا التنظيم.

زيارة الرئيس السوري بشار الأسد الى موسكو ومفابلته بفلاديمير بوتين الرئيس الروسي (AFP)

زيارة الرئيس السوري بشار الأسد الى موسكو ومفابلته بفلاديمير بوتين الرئيس الروسي (AFP)

ما حدث في سوريا منذ ما يقرب من أربع سنين، تكاد تتعدد تسمياته لتخرج عن نطاق الانتفاضة والثورة والحرب الأهلية إلى صراع إرادات إقليمية وقوى عظمى في منطقة هي من أشد البؤر أهمية في العالم ومجال حيوي للروس حيث تربض القاعدة الروسية الوحيدة لهم خارج نطاق الاتحاد السوفيتي السابق. ولذلك، فقد استعصت هذه القضية على الحلول المطروحة في مجلس الأمن مصطدمة ثلاث مرات بالڤيتو الروسي- الصيني، واضطر العالم الغربي للوقوف مكتوف الأيدي "لأسباب ضبابية" حيال قرائن كثيرة تدل على ارتكاب النظام السوري لجرائم ضد الانسانية بحق شعبه.

وفي مشاهد عديدة برز عنصر تمويل دول عربية ودول مجاورة غير عربية لميلشيات عديدة لمحاربة النظام وإسقاطه دون جدوى، ليتحول الكثير من هذه الميليشيات إلى مجموعات متطرفة، وهذا مرده إلى طول الفترة التي مضت على ترك الأحداث تأخذ مداها ومنحاها في سوريا كي تصل إلى ما وصلت إليه.

الحرب الأهلية السورية (AFP)

الحرب الأهلية السورية (AFP)

تعلم روسيا أن الثورة السورية لم تعد القضية، فالفوضى التي تواطأت فيها مع النظام السوري وإيران في بلد بلغ ذروة الشحن الطائفي فيه حد الانفجار، جعلت البيئة خصبة لنمو بذرة التطرف والإرهاب. لعل النظام قد سهَّل الطريق لتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" كي يتمدد واستغل المخاوف الغربية حيال الإرهاب وتضخمه، والآن يقدم بشار الأسد نفسه كشريك محتمل للغرب في إطار مكافحة الإرهاب ومؤتمر موسكو هو إطار لاعتراف محلي به تمهيداً لإعادة الاعتراف الدولي بالنظام السوري.

بدورها تسعى موسكو لإظهار نفسها كراعية للسلام السوري المنشود والطليعية في مكافحة الإرهاب، كي تبدل سمعتها التي ارتبطت بها إبان احتلالها شبه جزيرة القرم ودخولها في طور العقوبات الأوروبية -الأميركية.

نشر هذا المقال لأول مرة على موقع منتدى فكرة