أكد خبرٌ نشرته صحيفة "الأخبار"، وهي صحيفة لبنانية مقربة من حزب الله، الادعاءات الإسرائيلية والتي تقول إن الحزب الشيعي جدد عملياته العسكرية الواضحة قرب الحدود مع إسرائيل.

عودة مقاتلي حزب الله إلى الجنوب اللبناني مخالفة لقرارات مجلس الأمن رقم 1701 الصادر عن الأمم المتحدة. إلى جانب العمليات التي صرح بها الحزب بشكل علني - مثل تفجير عبوتين ناسفتين في هار دوف قبل أسبوعين - قد تعكس عودة المقاتلين تغييرًا مقلقًا في سياسة حزب الله، الأمر الذي قد تكون له على المستوى البعيد انعكاسات إشكالية من ناحية إسرائيل.

فجر حزب الله في 7 تشرين الأول عبوتين ناسفتين، اللتين كانتا، على ما يبدو، جزء من مسرحي زرع متفجرات منفصلين، ضد مجموعة من وحدة "أغوز" التابعة لكتيبة "غولاني" ومن كتيبة نزع الألغاز التابعة لسلاح الهندسة.

أُصيب جنديان إسرائيليان في حادثة التفجير قرب الحدود اللبنانية. أعلن حزب الله لاحقًا أن العملية جاءت ردًا على تفجير مركز تجسس إسرائيلي، عندما حاول أحد الخبراء العسكريين التابعين للحزب تفكيكيه في جنوب لبنان في 5 أيلول.

يأتي الإعلان الصريح لحزب الله عن زرعه للعبوات الناسفة كإثبات واضح لخرق الاتفاق، الذي حافظ الحزب حتى الآن على عدم خرقه بشكل صريح

تم في شهر آب من العام 2006 توقيع اتفاق يقضي بمنع تواجد أي مقاتل مسلح من حزب الله من التواجد في منطقة جنوب نهر الليطاني. يأتي الإعلان الصريح لحزب الله عن زرعه للعبوات الناسفة كإثبات واضح لخرق الاتفاق، الذي حافظ الحزب حتى الآن على عدم خرقه بشكل صريح. نشر الجيش الإسرائيلي في منتصف شهر أيلول صورًا لمقاتلين من حزب الله قرب الحدود مع إسرائيل، وعلى ما يبدو أنهم حينها كانوا يجمعون معلومات عن تحركات الجيش الإسرائيلي.

عناصر حزب الله (MAHMOUD ZAYYAT / AFP)

عناصر حزب الله (MAHMOUD ZAYYAT / AFP)

نشر معهد ميمري، المختص بمتابعة وسائل الإعلام في الشرق الأوسط، على موقع الإنترنت الخاص به ترجمة لمقالة من صحيفة "الأخبار"، وتلك المقالة نُشرت بتاريخ 8 تشرين الأول، أي بعد يوم من التفجير.

الحزب عاد إلى نشاطه السابق جنوب الليطاني، تمامًا كما كان ينشط في السنوات بين عامي 2000 - 2006، بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من المنطقة الأمنية في جنوب لبنان

وورد في المقالة المنشورة أن الحزب عاد إلى نشاطه السابق جنوب الليطاني، تمامًا كما كان ينشط في السنوات بين عامي 2000 - 2006، بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من المنطقة الأمنية التي كانت تسيطر عليها لإسرائيل في جنوب لبنان. وصفت الصحيفة العملية التي نفذها حزب الله أنها جاءت كرد لا مفر منه على تعاون إسرائيل والجماعات السنية المعارضة في هضبة الجولان، التي تعمل على إسقاط نظام الأسد.

يُلزم الادعاء، أن إسرائيل تؤجج الأمور في منطقة مثلث التقاء الحدود، حزب الله على اتخاذ خطوات دفاعية استثنائية. جاء وضع العبوات الناسفة في هار دوف، حسب تلك المصادر اللبنانية، بقصد تفجير دبابة تابعة لجيش الدفاع كرسالة تحذير لإسرائيل، تجعلها تتحمل مسؤولية تغيير قواعد اللعبة في لبنان وتدفع ثمن ذلك.تدعي الصحيفة، التي تستند في أخبارها على مصادر لبنانية لم تكشف عن هويتها، أن إسرائيل عمقت تعاونها مع الجماعات المعارضة المختلفة (ومنها حسب ادعاء الصحيفة، حتى جبهة النصرة، التنظيم السني المتطرف التابع لتنظيم القاعدة).

دورية على الحدود الإسرائيلية - اللبنانية (Ayal Margolin/FLASH90)

دورية على الحدود الإسرائيلية - اللبنانية (Ayal Margolin/FLASH90)

وحذرت الصحيفة من أن إسرائيل تشجع دخول المتطرفين السنة إلى لبنان عن طريق منطقة الحرمون وأن إسرائيل تخطط لدمج القرى السورية الدرزية، القريبة من جبل حرمون، تلك القرى التي لا تزال حتى اليوم تحاول أخذ جانب محايد في الحرب الأهلية هناك.

ينضم ذلك الاعتراف غير المباشر، والواضح من جهة، من قِبل حزب الله بخرقه لقرار الأمم المتحدة رقم 1701 إلى العمليات التي يقوم بها في الميدان. كانت العبوتان الناسفتان اللتان فجرهما الحزب في بداية شهر تشرين الأول أشد فتكًا وتعقيدًا من العبوة الناسفة التي فجرها التنظيم الشيعي في المنطقة ذاتها في آذار من هذا العام، ذلك التفجير الذي أصاب آلية عسكرية دون وقوع إصابات. لولا اتخاذ أفراد الجيش الإسرائيلي الحذر عندما اقتربوا من تلك العبوات الناسفة لكانت هذه الحادثة لتنتهي بمقتل عدد كبير منهم.

تُلزم هذه التطورات الجديدة بإعادة النظر مجددًا بالمفهوم السائد في إسرائيل، الذي مفاده أن الجيش الإسرائيلي لا يزال يردع حزب الله بعد حرب 2006

تُلزم هذه التطورات الجديدة بإعادة النظر مجددًا بالمفهوم السائد في إسرائيل، الذي مفاده أن الجيش الإسرائيلي لا يزال يردع حزب الله بعد حرب 2006، وما زال الحزب خائفًا بسبب القوة العسكرية الكبيرة التي أظهرتها إسرائيل في حربها على غزة ضد حماس، وعمومًا - الحزب ليس معنيًا بصراع مع إسرائيل بسبب أنه غارق في الحرب الشيعية السنية في لبنان، سوريا والعراق.

ولكن عملية زرع العبوات الناسفة الأخيرة كانت مراهنة، ليست بالبسيطة، من ناحية حزب الله. إن افترضت قيادات الحزب أن العملية لم يُكتب لها النجاح، معنى ذلك أن تلك القيادات كانت مستعدة بأن تأخذ بالحسبان على الأقل فتح جولة عنيفة مع إسرائيل (على ضوء ردة الفعل المتوقعة نتيجة مقتل جنود) إن لم تندلع حرب بكل معنى الكلمة.

اعلام حزب الله وقوات اليونيفيل في مرجعيون (MAHMOUD ZAYYAT / AFP)

اعلام حزب الله وقوات اليونيفيل في مرجعيون (MAHMOUD ZAYYAT / AFP)

من شأن هذا التصرف أن يعكس ثقة كبيرة بالنفس لدى حزب الله، على خلفية تلك التجربة القتالية الواسعة التي يحصل عليها مقاتلو الحزب ويشاركون بها في إطار وحدات كبيرة، في الحرب الأهلية في سوريا.

ربما كانت هناك تفسيرات أُخرى لتحركات حزب الله تلك: الرغبة بلفت الانتباه عما يحدث داخل لبنان، الذي يتعرض فيه الحزب لخسائر على يد التنظيمات الإرهابية المتطرفة

ربما كانت هناك تفسيرات أُخرى لتحركات حزب الله تلك: الرغبة بلفت الانتباه عما يحدث داخل لبنان، الذي يتعرض فيه الحزب لخسائر على يد التنظيمات الإرهابية المتطرفة (أمثال داعش) وأيضًا المحاولة التي تحدث عنها حزب الله علنًا قبل بضعة أشهر بالعمل على فرض ميزان ردع بمواجهة إسرائيل، بحيث لا تتابع إسرائيل تحركاتها ضد الحزب في المناطق اللبنانية.

مركبة إسرائيلية خلال دورية على الحدود الإسرائيلية - اللبنانية ( Avishag Shaar Yashuv/FLASH90)

مركبة إسرائيلية خلال دورية على الحدود الإسرائيلية - اللبنانية ( Avishag Shaar Yashuv/FLASH90)

هاجم سلاح الجو الإسرائيلي، وفق تصريحات الإدارة الأمريكية ووسائل الإعلام العربية، عدة مرات في السنوات الأخيرة قوافل محملة  بالأسلحة من سوريا إلى لبنان، كانت واحدة من تلك القوافل في نهاية شباط من هذا العام داخل المناطق اللبنانية، قرب بلدة جنتا في البقاع اللبناني. يبدو أنه على خلفية رفع وتيرة ردة فعل حزب الله يجب على إسرائيل أن تتحرى بحذر كيفية الرد في حال مهاجمتها ثانية لقوافل الأسلحة من ذلك النوع، بسبب التداعيات المحتملة لمثل تلك العمليات.

هل الخبرة العسكرية التي حصل عليها الحزب في سوريا تُترجم إلى طُرق قتالية جديدة ومفهوم آخر للعمل، في حال تأجج الوضع مستقبلاً ضد إسرائيل؟

إسرائيل مُلزمة أيضًا، نتيجة التطورات الأخيرة، بأن تسأل نفسها ما الذي يريد الحزب تحقيقه من ذلك النشاط المباشر ضد إسرائيل، كما فعل في هار دوف. هل الخبرة العسكرية التي حصل عليها الحزب في سوريا تُترجم إلى طُرق قتالية جديدة ومفهوم آخر للعمل، في حال تأجج الوضع مستقبلاً ضد إسرائيل؟ وكيف يرى الحزب معركة كهذه، على ضوء الأسلحة التي تتضمن الكثير من الصواريخ قصيرة المدى التي تحمل رؤوس متفجرة كبيرة في العام الأخير؟ (أمر من شأنه أن يتسبب بالكثير من الفوضى خاصة قرب الحدود، في وقت الحرب).

لا ترى الأجهزة الأمنية، وفق ما ورد على لسان بعض المسؤولين الإسرائيليين، في هذه المرحلة أي تغيير أساسي في مصالح حزب الله أو مخططاته ولا يخطط الحزب لأية مواجهة مع الجيش الإسرائيلي. ورغم ذلك، من الصعب أن ننسى أن الثقة بالنفس قادت الحزب إلى ارتكاب خطأ في عام 2006: اختطاف جنود الاحتياط الإسرائيليين وهي العملية التي اندلعت على إثرها الحرب. لا يمكن أن نتجاهل تمامًا إمكانية أن مثل هذا التفكير الخاطئ قد يتكرر ثانية.

تم نشر المقال لأول مرة على موقع صحيفة هآرتس