وقف حسن نصر الله ساعة كاملة يوم الجمعة الأخير في رمضان، وخطب خطابًا مملوءًا بالحماسة تضمن مدحًا وتهليلا لحماس والفصائل الفلسطينية، التي تضرب العدو الصهيوني "ضربة قاضية". كالمعتاد، بدت على وجهه ابتسامه استعلاء، أنه يعرف كل شيء، وقد تكلم مازجا بين اللغة العامية وروح الفكاهة وبأنه يعطي انطباعًا عن مبادئ صلبة. من خلال تجاهله لقضايا أساسية مثل منظومة القبة الحديدية التي غيّرت قواعد اللعبة، ومن هنا تجلب حماس الدمار لقطاع غزة برفضها العنيد لوقف إطلاق النار، نسج نصر الله بكارزمية كبيرة نسيجًا من الادعاءات الطويلة غايتها واحدة: التربيت على الأنا الشخصي.

مع ذلك، لم ينجح في إخفاء حقيقة واحدة: الصراع بين إسرائيل وحماس يتوسط خلاف شديد في الرأي في العالم العربي. "أنا لا أريد أن "ألغي" أحدًا الآن" قال مدعيًّا. "كي لا يعود بعضهم ويتحدث عن أية قضايا أخرى. هنا في هذا الموضوع، لا حيرة، لا ضبابية، لا جدال". لقد ضرب بيده على الواقي الخشبي المزخرف الكبير، الذي ظهر فوقه رأسه ويده اليمنى، وأكّد: "دعونا لا ننشغل الآن بمواضيع أخرى".

لكن حملة "الجرف الصامد" قد أخرجت الشياطين التي تثقل العالم العربي منذ وقت طويل. يشد اللاعبون العرب بعضهم بعضًا، ينجرفون في دوامة مركزها غزة، ويرقصون رقصة الموت على الجثث الفلسطينية الغزّيّة. من جانب تقف الجهات التي تضررت أو نجت من "الربيع العربي" ومن الفوضى التي جلبها معه. على رأس هذا المعسكر، معسكر "الاستقرار بكل ثمن"، تقف مصر، وإلى جانبها تصطفّ السعودية، الأردن ودول أخرى. يمكن الافتراض أن نصر الله قد قصد هذه الدول عندما قدّر أن رؤساءها يتصلون بنتنياهو ويطلبون منه الاستمرار في الحملة كي يسحقوا حماس حتى الفتات.

بالمقابل يقف "محور المقاومة"، كما سماه نصر الله. بقي القليل من هذا المحور؛ محور مهاجم ومصاب وصدئ، خاصة بسبب الحرب الأهلية في سوريا التي قسّمته  إلى جانب حكم بشار الأسد (الذي دعمه نصر الله وزعماؤه في إيران) وإلى جانب المتمردين (الذين تدعمهم حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني). يستغل نصر الله وإيران الآن الحملة في غزة كي يحاولوا لحم المحور. لقد تحادث نصر الله في الأسبوع الفائت مع رؤساء حماس والجهاد الإسلامي، ويوم الجمعة عاد وأعرب عن تأييده لنضالهم في غزة. كل هذا على أمل أن يعود المحور ويقف على رجليه ويتغلب على الانقسام حول سوريا خاصة،  والشرخ السني الشيعي عامة.

لا يدعم العالم العربي لسنة 2014  كالسابق محور المقاومة هذا. من بين الدول، تقف فقط قطر الجزيرة إلى جانبه، تلك المحطة التي لها دولة، وتتمتع بموارد طبيعية كبيرة. يتخذ الشيخ تميم، حاكم الإمارات، خطا استغلاليا أكثر من خط والده، الشيخ حمد؛ إذ يدعم حماس، وهو مستعد لتمويل رواتب موظفيها ويصر على أن يكون جزءًا من التحركات الدولية حول القضية. إلى جانب قطر، تقف تركيا، وهي لاعب إقليمي بارز آخر (وإن كان غير عربي)، التي وقفت قبل مدة قصيرة  على الضفة الأخرى، أمام حزب الله وإيران، والآن تسارع إلى دعم محور المقاومة.

لكن معسكر "الاستقرار بأي ثمن" يحافظ على صمته. يبدو أن كل لاعبيه يقفون من خلف مصر السيسي، مصر الجديدة، المعادية لحماس- ليس من منطلق الصهيونية، بل من الظن أن الإسلام السياسي عامة والعصابات الإسلامية خاصة تشكل خطرًا على المصلحة المصرية القومية. كم تشتاق حماس لمصر مبارك، مصر التي مكنت حماس من تنفس الصعداء بعدد لا يُحصى من الأنفاق، رغم أنف إسرائيل. من وراء مصر السيسي تقف الحكومات التي تفضل النظام على الفوضى والاستقرار على الضبابية. لا حاجة لإضافة أي كلام آخر على مساهمة تنظيم الدولة الإسلامية في ادعاءاتهم.

في الأيام القريبة سيتم التوصل إلى وقف إطلاق النار بين الجانبين بطريقة أو بأخرى. سيموت مئات آخرون من الفلسطينيين، وسيقتل جنود آخرون من الإسرائيليين. في نهاية المعركة سنعود لنقطة البداية: محوران إقليميان اللذان يُشادّ بعضهما بعضًا على حساب دم الآخرين، ولكليهما مصالح، موارد، واستخفاف لا نهائي.

 

 

نشر المقال للمرة الأولى في موقع can think‎