شجّع النفط الذي تنعم به دول عربية في الخليج على تدفّق متزايد للعمال الأجانب من شرق آسيا ودول عربية إلى الخليج بدءًا من السبعينيات. يُعتبر هؤلاء العمال في نظر سكان الخليج "الآخر" من الناحية الدينية، الثقافية والعرقية. الكثير منهم هم من المسيحيين، البوذيين وأبناء ديانات وثنية أخرى.

يعمل العمال الأجانب في الخليج في مجالات مختلفة من بينها الهندسة، التعليم، البناء، الخدمة في المنازل والعناية بالأطفال والعجزة. تعمل العاملات الأجنبيات أيضًا كسائقات لدى النساء السعوديات، لأنّ القانون السعودي يحظر على المسلمات قيادة السيارة. يُوقع الأجانب على عقد عمل يكون صالحًا لمدّة ثلاث سنوات فقط (سنتان لعاملات المنازل). لدى انتهاء فترة العمل يحقّ لصاحب العمل أن يقرر تمديد العقد لثلاث سنوات أخرى أو إرسال العامل عائدا إلى موطنه الأصلي. وفقا للقانون في شبه الجزيرة العربية، يمكن للعمال الحصول على خدمة في صناديق المرضى الحكومية مجانا. لا يتضمن القانون بدل النقاهة أو أيام العطلة.

منذ سنوات طويلة يوجّه المجتمع الدولي انتقادات لدول الخليج بسبب تعاملها مع العمال الأجانب، وخصوصا بعد أن تم الكشف عن الظروف القاسية التي يضطرّون للعمل والإقامة فيها. في تقارير لمنظمة العمل الدولية (‏ILO‏) ومنظّمات دولية أخرى تم طرح شكاوى لعمال بسبب التعامل العدائي والانتهاكات الفظيعة من قبل أرباب العمل. أحيانا، تشكّل العاملات الأجنبيات، واللواتي يعملن غالبا في الخدمة المنزلية، فريسة سهلة للاغتصاب والاعتداء النفسي والجسدي من قبل أرباب عملهنّ. إنّ القانون الذي يلزم بتسجيل كل عامل أجنبي تحت اسم صاحب عمل محدّد يمنع العامل أيضًا من مغادرة مكان عمله بل والخروج من البلاد دون موافقة صاحب العمل. في الواقع، يُحاكي القانون العادة العربية القديمة في فرض الرعاية على العبيد ويعرّض العمال للاستغلال والأذى من قبل أرباب العمل المحليّين.

كل محاولة لحكومات الخليج في تقييد حصة العمال الأجانب، أو الكشف عن المقيمين غير الشرعيين وإعادتهم لبلادهم الأصلية تنشئ مشكلة في القوى العاملة في جميع قطاعات الاقتصاد. ولكن العمال الأجانب "مسؤولون" أيضًا عن زيادة البطالة، لأنّ أجورهم منخفضة وهم أحيانا أكثر مهارة من القوى العاملة المحلية. فضلا عن ذلك، تخشى الحكومات ورجال الدين في الخليج من تحوّل السكان في بعض الدول إلى أقلية ضئيلة، ويعتبرون هذا الوضع خطرا على الاستقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة. واعتاد رجال الدين أيضًا على التحذير من التأثيرات الثقافية للأجانب - ثقافة الترفيه، أماكن العبادة والعادات المسيحية - على المجتمعات التقليدية والمحافظة في شبه الجزيرة العربية.

على خلفية ذلك كلّه، قرّر الفقهاء المحافظون أنّ دخول العمال الأجانب إلى شبه الجزيرة العربية يتناقض مع طلب النبي محمد في تنظيف المنطقة من اليهود، المسيحيين وأبناء الديانات الوثنية. وذهب الشيخ عبد العزيز بن عبد الله إلى أبعد من ذلك ودعا إلى حظر الصلوات في المنازل وإلى تدمير كل مبنى يُستخدم من قبل العمال الفلبينيين لممارسة الشعائر المسيحية في المملكة العربية السعودية، مهد الإسلام الذي وُلد فيه النبي أيضًا. وقد نُشرت فتواه بعد أن قرّرت السلطات في الكويت المجاورة إعادة بناء الكنائس في أنحاء البلاد من أجل المؤمنين الفلبّينيين.

وردّا على ذلك أكّد الفقهاء المعتدلون على أنّ القرآن والحديث قد أسّسا للعلاقة بين صاحب العمل والعامل قبل أن تُقام منظمات الدفاع عن العمال والأحزاب العمالية في أوروبا بوقت طويل. وفقًا لهؤلاء الفقهاء، فإنّ الدين الإسلامي يدعو إلى العدالة في جميع مجالات الحياة وحقوق الإنسان والعامل وهو الضوء الهادي. فضلا عن ذلك، فإنّ البشر متساوون دون تفريق في الدين، العرق والجنس، السنّ، لون البشرة، سواء كانوا من مواطني البلاد أو عمالا أجانب. كما أمر النبي أتباعه: "لا فضل لعربيّ على أعجميّ، ولا لمسلم على غير مسلم، ولا لأبيض على أسود".

وذكّر هؤلاء الفقهاء أنّ النبي قد تعامل بأدب مع عماله، وأمر المؤمنين بالتفاوض مع عمالهم حول حجم الأجور والعمل حتى قبل بدايته. بالإضافة إلى ذلك، حرّم النبي على صاحب العمل أن يؤجّل أجر العامل، أن يبيع أو ينقل رجلا حرّا (يعتبر العامل الأجنبي رجلا حرّا) إلى صاحب عمل آخر، وقرّر أنه يجب على صاحب العمل ضمان بيئة عمل آمنة للعامل. لن يكون هناك نموّ في المنظمة إنْ لم تسُدْ العدالة والعلاقات النزيهة بين صاحب العمل وعمّاله، كما حذّر النبي، وكل من يستبدّ بعمّاله لن يحظى برؤية أبواب الجنّة. على هذا الأساس يقرّر الفقهاء المعتدلون أنّه على كل صاحب عمل الحرص على الطعام والشراب، الملابس، التأمين ضدّ الحوادث والتأمين الصحّي لعمّاله، بل والسماح للعمال المسيحيين بالخروج إلى إجازة في عيد الميلاد.

ويكرّس فقهاء شيعة أيضًا اهتمامهم لحقوق العمال الأجانب. عام 2008، نشر السيد محمد حسين فضل الله فتوى دينية تحظر الاعتداء الجسدي أو التحرش الجنسي ضدّ العمال الأجانب في لبنان. قال فضل الله إنّ التعامل السيء ضدّ العمال الأجانب هو علامة على الفوضى الاجتماعية، فشل تربوي وعجز النظام عن إنفاذ القانون في البلاد. بل وحرّم أيضًا بيع أو نقل العمال الأجانب بين أصحاب العمل اللبنانيين، وهي ممارسة تؤدي بهم إلى الانتحار أو إيذاء أنفسهم.

وأوضح فقهاء شيعة وسنّة في فتاوهم أنّ العامل ليس مُلكًا لصاحب العمل وإنما تحت مسؤوليّته، ولذلك فعلى صاحب العمل أن يعتني به. "إنهم مساعدونا"، كما أشار فضل الله. "نحن بحاجة لهم، وأحيانا نعتمد عليهم لأنّهم يقومون بأعمال لا نستطيع القيام بها".

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع Can Think