يقوم التاريخ بإيقاظ عواصف غاضبة في إسرائيل. بالرغم من مرور اكثر من 43 سنة على نشوب حرب أكتوبر، المعروفة في إسرائيل باسم "حرب يوم الغفران"، فإنَّ الجدل في إسرائيل ما زال مستمرا حول نتائج هذه الحرب. من الجدير ذكره، أن المفاجأة المصرية والسورية في السادس من شهر تشرين الأول عام 1973 بقيت جرحا في قلب التاريخ الإسرائيلي. ولكن من يتذكر النتائج النهائية للحرب، وبشكل خاص، قبضة الجيش الإسرائيلي التي وضعها على المناطق الغربية من قناة السويس،  يؤكد انتصار إسرائيل في هذه الحرب.

تقيم وسائل الإعلام الإسرائيلية، كل عام، احتفالا في ذكرى هذه الحرب، من خلاله، تكشف عن وثائق سرية بالنسبة لحرب عام 1973. مع كل وثيقة جديدة، تتضخم الانتقادات حول القيادة الإسرائيلية، آنذاك، والتي لم تجهز الجيش للحرب، وكانت مقتنعة أن المصريين والسوريين لن يتجرأوا على الهجوم.

في كل عام، يقوم المعلقون بإظهار نفس الحقائق المعروفة للجميع: كان هناك علم لدى جولدا مئير وموشيه ديّان بالنسبة للعمليات المصرية، وقد قررا عدم تجنيد الاحتياط من الجنود. كان رئيس المخابرات الإسرائيلي على علم بالتحذيرات التي قرأ من خلالها إشارات لحرب قريبة مع إسرائيل، إلّا إنه كان متأكدا من أنها لن تنشب. تفاجأ الجيش الإسرائيلي من هذه الحرب، وهناك الكثير من الجنود الذين دفعوا ثمنا باهظا لحياتهم. كما وأن هناك تغطية إعلامية واسعة النطاق لذكرى ضحايا هذه الحرب.

غولدا مئير وموسيه ديان خلال حرب تشرين (Knesset)

غولدا مئير وموسيه ديان خلال حرب تشرين (Knesset)

الكل يتفق على أنه تم تحطيم  الفكرة الخيالية في عام 1973 القائلة إن "الجيش لا يقهر" والتي نشأت في  حرب عام 1967، ولكن بعد مرور 40 سنة على هذه الحرب، بدأت تُسمع أصوات متعارضة للذين قالوا بخسارة الجيش الإسرائيلي في السادس من شهر تشرين الأول، فهم، الآن، يشددون على إنجازات الجيش الإسرائيلي الاستثنائية التي تحققت بعد مرور عدة أسابيع من انتهاء المعركة.

وهناك قسم مهم جدا في هذه القضية، وهي الحقيقة التي تنص على أن رئيس الأركان الحالي، بيني غانتس، الذي كان رئيس الأركان الأول بعد عام 1973 حيث لم يشترك بهذه الحرب، فقد كان في المرحلة الإعدادية من دراسته أثناء نشوب الحرب. في السنة القادمة، صرح غانتس بشكل قاطع فيما يتعلق بهذه الحرب، حيث قال: "إن حرب تشرين بدأت كوسيلة دفاعٍ لصد العدو، وتحولت، فيما بعد، إلى انتصار كبير للجنود".

يتذكر الإسرائيليون، اليوم، أنه بالرغم من أن الجانب الإسرائيلي قد خسر أكثر من 2200 جندي، وفي الجانب المصري، كان عدد المفقودين أعلى بكثير مما لدى الإسرائيليين حيث ارتفع عدد خسائر الجنود المصريين إلى 10000 جندي. عند انتهاء الحرب، وقف الجيش الإسرائيلي على مسافة قصيرة من القاهرة ودمشق، بينما الجيش المصري هو من طلب وقف إطلاق النار.

لقد كان أداء جولدا مئير في الحرب مثيرا للجدل. منذ سنين، كان الدارج أن "عمى جولدا مئير" هو الذي أدى إلى تزعزع وضع إسرائيل وأضر بجاهزيتها في الحرب. لكن، اليوم، يقال إن ثبات وعزم رئيسة الحكومة "جولدا مئير" كانا سببا في انتصار الجيش الإسرائيلي.

رئيس الأركان السابق حاييم بارليف يتشاور مع اللواء ارييل شارون عام 1973 (GPO)

رئيس الأركان السابق حاييم بارليف يتشاور مع اللواء ارييل شارون عام 1973 (GPO)

كتب المعلق الإسرائيلي يسرائيل هرئيل مقالة في جريدة "هآرتس": "انتصار غير مسبوق، إنقاذ الدولة، كنتيجة لتضحيات الجنود والقادة.. فقد كانت الرواية الحقيقية لهذه الحرب. لكن، في الحقيقة، الرواية الكاذبة والمتلاعب بها، تجذرت في الوعي الإسرائيلي- حيث يجب إعادة صياغة هذه الرواية من جديد.. فبعد 40 عاما من جلد الذات، حان الوقت للتخلص من فكرة الصدمة النفسية التي زعزعت ثقتنا بأنفسنا، وحياتنا. علينا أن نتخلص من الرواية الكاذبة، وأن نجذر في أنفسنا الرواية العادلة والتفاؤلية".

في مصر، ما زال يعتبر هذا اليوم "السادس من شهر تشرين الأول" كيوم عيد. وفي إسرائيل، يعتقد الكثيرون، رويدا رويدا، أنه بالرغم من الألم الذي لحق بهم في هذه الحرب، فإنها ليست مبعثا للخجل، لكن للفخر. في الواقع، لا يبدو أن المسيرات كتلك التي حدثت في مصر من شأنها أن تحدث في شوارع القدس وتل أبيت، لكن بعد 41 سنة، بدأت هذه الصدمة تترك مكانها في القلوب.