إن تعامل الإسرائيليين والفلسطينيين مع حدود 1967، والتي تدعى في إسرائيل "الخطّ الأخضر"، معقّدة ومتغيّرة باستمرار. وإذا كان الافتراض في الماضي أن الانسحاب الإسرائيلي إلى هذه الحدود يشكل أساسا لاتفاق السلام الإسرائيلي الفلسطيني، فتفقد هذه الفكرة اليوم أهميّتها تدريجيّا.

فضلًا عن ذلك، فبعد 48 عاما من الحرب التي غيرت الحدود، والتي سكن فيها أكثر من نصف مليون إسرائيلي وراء الحدود السابقة، فإنّ الكثير من الإسرائيليين لا يعرف ما هي هذه الحدود. إن التقسيم بين إسرائيل والضفة الغربية وبين القدس الغربية والشرقية يُنظر إليه من قبل الكثيرين باعتباره تقسيما تعسّفيّا وخياليا.

أثبت استطلاع نُشر مؤخرا في صحيفة "إسرائيل اليوم" الأكثر انتشارا في إسرائيل اليوم قبيل السنة الدراسية أنّ غالبية المعلّمين في إسرائيل لا تعرف ما هو هذا الخطّ، المسمى "الخطّ الأخضر". 57% من المعلّمين في إسرائيل أجابوا بإجابة جزئية أو غير صحيحة على السؤال "ما هو الخطّ الأخضر".

لماذا سُمي "الخطّ الأخضر" بهذا الاسم؟ يعود الاسم إلى اللون الذي رُسم به في الخارطة، في نقاشات وقف إطلاق النار بين إسرائيل والمملكة الأردنية عام 1949. ومن ثم، فإنّ عبارة "خطوط وقف إطلاق النار" هي الأكثر دقة. أدارت إسرائيل مفاوضات مباشرة وصارمة مع الملك عبد الله، الذي طلب الحفاظ على السيطرة الأردنية على القدس الشرقية. وإسرائيل من جانبها، تنازلت ليس عن القدس الشرقية فحسب، وإنما عن البلدات اليهودية في منطقة بيت لحم أيضًا. ومن جهته تنازل الملك عن السيطرة على وادي عارة، وهكذا حصلت إسرائيل على طريق يصل بين الجليل وبين وسط البلاد.

الملك عبد الله الأردني (AFP)

الملك عبد الله الأردني (AFP)

عندما وقّع الرئيس المصري أنور السادات على معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979 أصبحت المعادلة "الأرض مقابل السلام" ذات صلة أكثر

ولكن فقط عندما احتلّت إسرائيل الضفة الغربية (بالإضافة إلى قطاع غزة، سيناء وهضبة الجولان) في حزيران عام 1967 تم التمييز بين "الأراضي المحتلة"، أو كما سُمّيتْ من قبل اليمين الإسرائيلي "الأراضي المحرّرة" وبين إسرائيل السيادية. وعندما وقّع الرئيس المصري أنور السادات على معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979 أصبحت المعادلة "الأرض مقابل السلام" ذات صلة أكثر.

ما زال اليسار الإسرائيلي يتحدث عن هذه الصيغة، حتى في عام 2015. يعتقد هؤلاء أنّ الانسحاب من أراضي الضفة الغربية لصالح الدولة الفلسطينية سيؤمن معاهدة سلام عامة وصادقة، تماما مثل الاتفاق مع مصر. وصرّح حزب ميرتس اليساري بوضوح أنّ حدود 1967 هي أساس اتفاق السلام.

ولكن اليمين الإسرائيلي يرى الواقع بشكل مختلف تماما. وفقا لأعضائه، فإنّ العودة إلى وضع ما قبل 1967 لن يحلّ المشكلة. حيث إنّ جيران إسرائيل العرب لم يقبلوا نتائج حرب 1948، أي قيام دولة إسرائيل. بحسب رأيهم، فإنّ الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود 1967 هو فقط مرحلة في طموح العالم العربي بالقضاء على إسرائيل.

كانت كلمات زحالقة، ممثّل السكان الفلسطينيين الذين يعيشون داخل حدود إسرائيل، تعزيزا مهمّا لموقف اليمين الإسرائيلي مقابل اليسار

وقد جاء التعبير عن هذا الجدل في هذا الأسبوع في خطاب عضو الكنيست جمال زحالقة. عندما قارن زحالقة بين حزب العمل، المؤيد للحلّ على أساس حدود 1967، وبين الليكود الذي يعارض معظم أعضائه ذلك، قال: "حزب العمل هو أب العنصرية وأمها. لم يكن من أخذ لنا أرضنا، ومن هجّرنا  أولئك الذين يقولون "الموت للعرب"، وإنما هؤلاء الذين قالوا "أتينا بالسلام إليكم".

خطاب زحالقة يكتسح النت في إسرائيل (Yonatan Sindel/Flash90)

خطاب زحالقة يكتسح النت في إسرائيل (Yonatan Sindel/Flash90)

وأضاف زحالقة منتقدا عضو الكنيست نحمان شاي من حزب العمل: "أعيدوا الأرض التي صادرتموها منّا! بعد ذلك تعال وتحدّث معي ولا تعظني بالأخلاقيات. أنت تقف على أرض سرقتها مني وتبوّل عليّ".

كانت كلمات زحالقة، ممثّل السكان الفلسطينيين الذين يعيشون داخل حدود إسرائيل، تعزيزا مهمّا لموقف اليمين الإسرائيلي مقابل اليسار. فبحسب كلامه، لم يعد بالإمكان التصديق بأنّ الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود 1967 يُعتبر في نظر الفلسطينيين حلّا عادلا. فالمشكلة أعمق من ذلك، وأكثر خطورة بكثير.

إن المعطيات حول رأي المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة تعزّز من هذا الادعاء. إذ تدلّ الاستطلاعات الأخيرة التي أجراها مركز القدس للإعلام والاتصال على التراجع المستمرّ لدى الجمهور الفلسطيني عن حلّ الدولتين: في شهر آذار عام 2013 أيّد 52.4% من الفلسطينيين حلّ الدولتَين. ولكن في آذار 2015 أيّده 48.3% فقط.  في حين أنّه في الاستطلاع الأخير الذي أجريَ في شهر آب أعرب 44% فقط عن تأييدهم لهذه الفكرة.

بالتباين، فإنّ تأييد فكرة الدولة ثنائية القومية، والتي تعتبر حدود 1967 غير ذات صلة بالنسبة لها، آخذ بالتصاعد في أوساط المجتمع الفلسطيني. في آذار 2015 أجاب 16.3% فقط بأنّهم يؤيدون الفكرة. بينما في الاستطلاع الأخير قال 21.3% إنّهم يؤيدونها.

والاستنتاج واضح. قبل أن نتوجه إلى معالجة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وفقا لنتائج حرب 1967، علينا أن نأخذ بالحسبان الجرح الأكبر والأهم، لعام 1948.