في الأسبوعين الماضيَين، تجري في المجتمع اليزيدي ظاهرة مهمة وغير مسبوقة، والتي تساهم في فهم جزء من الحساسية في الواقع اليزيدي اليوم، بعد عام وأكثر من الأحداث في سنجار. وهي ظاهرة النساء المختطفات اللواتي نجين من أسر داعش، ربما هي القضية الأكثر اشتعالا على جدول الأعمال اليزيدي، والتي تجعل الجالية اليزيدية تواجه التحدّي المعقّد لاستيعاب النساء وإعادة تأهيلهن.

قبل نحو أسبوعَين، أعلن زوجان شابان يزيديان، علي وفيان، عن زواجهما القريب في ألمانيا. ولكنهما ليسا زوجا عاديا. كلاهما من سكان سنجار، كانا زوجين في السنتَين الماضيتَين، ولكن في آب عام 2014 اختُطفت فيان من منزلها في سنجار من قبل عناصر داعش، مباشرة بعد غزو التنظيم للمنطقة، وبيعت كرقيق للجنس لمسلّحي التنظيم. في نفس الوقت كان يقيم علي في كردستان كعامل في شركة البناء أفرو سيتي (‏Avro City‏) في مدينة دهوك. عندما سمع عن اختطاف محبوبته انضمّ فورا إلى القتال؛ في البداية إلى قوات البيشمركة، ولكن بعد أن رفض هؤلاء العودة للقتال في سنجار تركهم وانضمّ إلى قوات YPG في روجابا (كردستان السورية). وقد عاد مع تلك القوات الأخيرة إلى سنجار وانضم هناك إلى "قوات حماية سنجار"، وهي الميليشيا اليزيدية المقاتلة ضدّ داعش في المنطقة. تحدث مع زملائه المقاتلين عن محبوبته فيان وعن اختطافها، وعُرف بينهم كمقاتل حازم يسعى إلى الانتقام من خاطفيها.

في بداية شهر كانون الأول الماضي قد فرّت فيان، مع 24 امرأة وفتاة يزيدية أخرى، من أسر داعش، ووجدت ملجأ في جبل سنجار. حدّد علي مكانها وهربا معا عائدين إلى كردستان وقرّرا الانتقال إلى ألمانيا والتزوج هناك. انتقلت فيان إلى ألمانيا في إطار برنامج إعادة تأهيل لمنظمة الناشط اليزيدي الدكتور ميرزا ديناي وتم أخذها إلى لقاءات علاجية طبية ونفسية. ومع استكمال العلاج في ألمانيا نجح علي أيضًا في الوصول إليها، وقبل نحو أسبوعَين أعلن الاثنان عن نيّتهما بالزواج.

علي وفيان في يوم الإعلان عن زواجهما في ألمانيا (صورة من الإعلام اليزيدي)

علي وفيان في يوم الإعلان عن زواجهما في ألمانيا (صورة من الإعلام اليزيدي)

نُشر هذا الأسبوع في الشبكات اليزيدية خبر عن زواج زوجين آخرين جمال فير خضر وأسمهان فير إبراهيم. وصل الاثنان إلى المعبد في لالش، وهو المكان الأكثر قداسة لليزيديين شمال مدينة الموصل، وأعلنا هناك عن خطوبتهما وعن زفافهما القريب. ولم تصل بعد تفاصيل كاملة عن الزوجين وخططهما، ولكنها هي أيضًا تم اختطافها من قبل عناصر داعش من قرية في منطقة سنجار وتم إطلاق سراحها مؤخرا من آسرها.

تُعرف الجالية اليزيدية كجالية محافظة ومغلقة، والتي يُعتبر شرف العائلة والمرأة فيها من الركائز الأساسية الحيوية لتجمّعها، وحدتها وبقائها. ولهذا السبب قدّرت ناشطات نسويات من كردستان، وأخريات من جميع أنحاء العالم، أن اليزيديين سيستنكرون النساء المختَطَفات عندما يتم إطلاق سراحهنّ من الأسر. وكان هناك من ذهب بعيدا إلى درجة التحذير بأنّ مصير النساء اليزيديات اللواتي سيُطلق سراحهنّ سيكون الموت أو الحبس من قبل مجتمعهنّ وأسرتهنّ، بسبب الاعتداء الجنسي الذي مررنَ به من قبل آسريهنّ وبسبب المسّ بـ "شرف العائلة".

ومنذ بداية المأساة في سنجار نفى نشطاء يزيديون هذه الدعاوى وواجهوا النشاطات الكردية والأوروبية التي طُرحت. عندما بدأت موجة إطلاق سراح المختطفات في أيلول عام 2014 اجتمع "المجلس الروحي اليزيدي الأعلى"، والذي يتألف أعضاؤه من رجال دين يزيديين كبار وشخصيات بارزة في المجتمع، وصدر بيان علني، والذي هو بمثابة حكم شرعي، يقضي أنّ المحرّرات لسن "وصمة عار" أو "خزيًا" على المجتمع، وإنما اختُطِفنَ واغتُصبنَ ضد إرادتهنّ وبقين "يزيديات طاهرات". وحثّ المجلس اليزيديين من جميع أماكن سكناهم على استيعاب المحرّرات ليعدنَ إلى حضن أسرهنّ ومجتمعهنّ والحرص على علاجهنّ الطبي والنفسي المناسب، من أجل إعادة تأهيلهنّ، وتمكينهنّ من الزواج لاحقا أيضًا. وقد تمت المصادقة على هذا البيان العلني في شهر شباط الأخير خلال بيان نشره البابا شيخ، وهو المرجعية الدينية العليا في الدين اليزيدي.

تصريح البابا شيخ في شأن إعادة تأهيل المحررات في المجتمع اليزيدي في شهر شباط 2015

تصريح البابا شيخ في شأن إعادة تأهيل المحررات في المجتمع اليزيدي في شهر شباط 2015

لاحقا تطلّب من رجال الدين اليزيديين التطرق الخاص إلى احتمال عودة المختطفات إلى أسرهنّ وهنّ حوامل بعد اغتصابهنّ. وحتى الآن ليست هناك تقارير ذات مصداقية عن وجود حالات كهذه، ولكن رجال الدين اليزيديين أقروا على أية حال أنّ الحظر الواضح الذي يمنع الإجهاض سيُلغى في هذه الحالات. وذلك من أجل تسهيل اندماج المحرّرات داخل أسرهنّ وداخل المجتمع المحلي.

إن إعلانات الزواج لرجال يزيديين من محبوباتهم المحرّرات، واللواتي اغتُصبن مرات عديدة في السجن ومررن باعتداءات قاسية، هي تصريح أولي أمام العالم الخارجي، ولكن قبل كل شيء أمام المجتمع اليزيدي المحافظ، بأنّ مرونة رجال الدين والتجديد التاريخي للتقاليد اليزيدية قد آتت ثمارها. إنّ هذه المؤشرات الأولى هي بمثابة تصريح بأنّ المجتمع اليزيدي لن يتنازل عن المختطفات ولن يتخلّى عنهنّ خارج حدوده. تدل التعليقات الحماسية لناشطات ونشطاء يزيديين في مواقع التواصل الاجتماعي عن حفلات الزفاف القريبة على أنّ المجتمع يدرك أهمية التوقيت، ويعتني بالمحرّرات ويحتضنهنّ. من الممكن تماما أن يستمر الدين اليزيدي في التحلي بالمرونة إزاء تحديات إعادة التأهيل الطويلة من الصدمة المجتمعية والصدمات الشخصية.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي