لم يتردّد بلال فضل، فحين اكتشف أنّ صحيفة "الشروق" قرّرت ‎منع مقاله، رفعه مباشرةً على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، حيث حظيت المقالة بشعبيّة أكبر مما لو كانت ستُنشَر في الصحيفة كالمعتاد.

توجّه فضل إلى قرّائه عبر "فيس بوك" موضحًا لهم ما جرى: "للأسف تم منع مقالي من النشر في صحيفة الشروق أمس واليوم، وتم نشر اعتذار باسمي دون معرفتي. المقال كان يتحدث عن المشير السيسي والأستاذ هيكل". في مقاله، انتقد فضل هيكل والسيسي، ودعا إلى فصل الجيش عن السياسة في مصر.

وذكّر فضل بلقاء هيكل، الذي يتحدث عنه في كُتبه، مع الجنرال البريطانيّ مونتغمري، وعن النقد المُوجَّه إليهما لتحويل عسكريين وجنرالات إلى سياسيين فاشِلين. حدثت زيارة مونتغمري عام 1967، وجرى توجيه النقد أوّلًا إلى المُشير عبد الحكيم عامر، الذي كان "مُشيرًا سياسيًّا"، ولكونه سياسيًّا قاد مصر إلى الهزيمة المذلّة عام 1967. كان استنتاج فضل أنه يجب فصل السياسة المصرية عن الجيش.

من الواضح أنّ ثمة غمزًا من قناة عبد الفتّاح السيسي، الذي رُفع الأسبوع الماضي إلى رتبة "مشير" - أعلى رتبة في الجيش المصريّ، وكل ذلك دون أن ينتصر في حرب أو يقود أيّ إنجاز عسكريّ. يعتقد فضل أنّ "المشيرين السياسيين" ليسوا ملائمين لا للجيش ولا للسياسة. ولعلّه مُصيب.

ماذا كان محرّرو "الشروق" يعتقدون حين منعوا نشر النقد الموجّه إلى السيسي، ونشروا بدلًا منه اعتذارًا مُزوَّرًا باسم كاتب المقالة؟ هل كانوا يؤمنون حقًّا أنه يمكن حجب رأي شخص وعرض رأي آخر مُشوّه بدلًا منه عام 2014؟

في إسرائيل أيضًا، ثمّة مَن يرفض تقبّل الواقع الجديد. فبعد تشييع أريئيل شارون، أراد الصحفي اليمينيّ يديديا مئير نشر مقالة انتقاد لخطاب التأبين الذي ألقاه زعيم المستوطِنين، زئيف حفير. وفق مئير، كان على حفير أن ينتقد شارون بسبب إخلاء المستوطنات من قطاع غزة، ولكنه بدلَ ذلك ألقى خطاب تأبين تملُّقيًّا، لم يتطرق إلى ما يراه مئير "جرائم" شارون.

حاول محرّرو صحيفة "بشيفاع" التي نُشرت فيها المقالة منع نشرها، وصادروا 100 ألف نسخة من الصحيفة التي ظهرت فيها مقالة النقد ضدّ حفير وشارون. لكنّ مئير تصرّف تمامًا مثلما فعَل بلال فضل اليوم، ناشرًا مقالته عبر موقع "فيس بوك". حظي المقال بصدًى واسع عبر الإنترنت، صدًى لم يكن ليحظى به لو لم تجرِ محاولة منع نشره. فقد جرت مصادرة 100 ألف نسخة، ولكنّ ملايين آخرين قرأوا المقالة.

المغزى الذي يجب أن يفهمه محرّرو صحيفتَي بلال فضل ويديديا مئير واحد: عليهم أن يُدركوا أنه لا يمكن عام 2014 التعتيم على الآراء، على افتراض أنها ستبقى دفينةً تحت الأرض. فقد ولّت تلك الأيّام إلى غير رجعة!