قد تترك التقارير الواردة في الفترة الأخيرة، عن انضمام النساء لتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش سابقًا)، صدمة. ما الذي يجعل النساء يلتحقن بصفوف تنظيم ديني متطرف، وهو التنظيم الذي يدعو إلى تأسيس نظام متشدد يصادر حقوق المرأة، ولا يتوانى عن التعامل تعاملا عنيفًا مع المواطنين الأبرياء بمن فيهم النساء والفتيات الصغيرات؟

نساء مجاهدات (AFP)

نساء مجاهدات (AFP)

عمومًا، من المعروف اليوم أن من يقود الحركة الجهادية هم رجالُ مسلمون أخذوا على عاتقهم محاربة الكفار (غير المسلمين) الذين يحتلون بلاد الإسلام أو ضد الحكام المسلمين الفاسدين.

عرف القليلون فقط، حتى الآن، عن مشاركة النساء في الجهاد والحرب المقدسة واقتصرت وظيفة النساء على الجانب المعنوي. النساء هن اللواتي يحملن في أرحامهن الجيل القادم من الجهاديين، الذي سيقاتل ضد أمة الكفار أو الحكام الفاسدين في بلاد الإسلام.

أخذ موضوع النساء والجهاد النسائي انعطافة جديدة مع تصدّر اسم تنظيم الدولة الإسلامية العناوين وظهرت الكثير من المعاني لحقيقة انضمام النساء للمجموعات الإرهابية المختلفة. بشرت الحرب في سوريا كذلك بظهور عصر جديد، عصر فيه تحوّلت النساء أيضًا ليكن ناشطات وفعالات في نضالهن ضدّ حكم الكافر بشار الأسد.

نساء "الدولة الإسلامية" (داعش)

أورد الموقع الإخباري Syria Deeply؛ وهو الموقع الذي يغطي الحرب في سوريا، قبل شهر تقريرًا عن أنه في مدينة الرقة، وهي المعقل الرئيسي للتنظيم السني المتطرف؛ الواقع في شمال شرق سوريا، عن وجود نشاطات لكتائب نسائية تجوب الشوارع وتضرب نساء أُخريات. "أنشأنا كتيبة لرفع درجة الوعي الديني لدى النساء، ولمعاقبة النساء اللواتي لا ينصعن للقانون. الجهاد لا يقتصر على الرجال فقط. على النساء أيضًا القيام بواجبهن"، هذا ما قاله أبو أحمد وهو أحد المسؤولين في التنظيم، "تقتصر هذه الوحدة على النساء فقط وخصصنا منشآت خاصة بهن فقط، لمنع أي لقاء بين الرجال والنساء".

باتت وسائل الإعلام العربية مؤخرًا تورد تقارير تتحدث عن انضمام شابات في صفوف الجهاديات في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية.‎ أوردت صحيفة الشرق الأوسط في شهر كانون الثاني من هذا العام تقريرًا يتحدث عن تشكيل لوائين من النساء المقاتلات، الأول تحت اسم "الخنساء" والثاني "أم الريان"، واللذين يضمان شابات عزباوات من عمر 18 حتى 25 عامًا. وتشير التقارير إلى أن التنظيم يدفع للمقاتلات راتبًا بمبلغ 25 ألف ليرة سورية (170 دولار أمريكي). ويقول التقرير نقلاً عن أبي حمزة، وهو ناشط محلي، إن كتيبة "الخنساء" اقتحم مدرسة في المدينة وقام بتوقيف طالبات ومعلمات لم يكن يرتدين الزي اللائق، أي الحجاب.‎ تم اقتياد الموقوفات إلى سجن "الدولة الإسلامية" حيث تم جلد بعضهن من قبل المقاتلات.

إن دوافع انضمام النساء لصفوف التنظيم متنوعة. قد تكون هناك أهمية أكبر، بالنسبة للنساء في مناطق الصراع، لمسألة الأمن الشخصي مقابل مسألة تحقيق المساواة الجندرية. تلتحق النساء بصفوف مقاتلي الدولي الإسلامية لنفس السبب الذي يجعل الرجال يلتحقون بصفوف ذلك التنظيم. تعيش النساء في مجتمع تقليدي، تحت تهديد دائم بخصوص هويتهن الإثنية، الدينية والسياسية، وعادةً هذه التهديدات تحديدًا وليس القمع الجندري الذي عايشنه هو الذي يجعلهن يحملن السلاح.

تتجند النساء لكتيبة "الخنساء" التابع للدولة الإسلامية، على الأغلب، نتيجة التمييز ضدهن كمسلمات من المذهب السني. نجحت نداءات، من مصادر مجهولة والتي دعت النساء للتطوع في الحرب نصرةً للخليفة الإسلامي، بأن تجنّد نساء من مناطق بعيدة.

النساء الجهاديات في سوريا

نساء مجاهدات (AFP)

نساء مجاهدات (AFP)

بينما لا تمنع الشريعة الإسلامية النساء من العمل خارج بيوتهن، تأتي الشريعة السنية لتحدد أن البيت هو مكان النساء، المكان الذي يمارسن فيه نشاطهن وإيمانهن. ربما جعلت وحشية نظام الأسد الكثير من النساء يتحدين ذلك الدور التقليدي الذي أوكل إليهن وجعلهن يلتحقن بصفوف المجاهدين. التحقت العديد من النساء بصفوف المقاتلين - من حلب؛ شمال سوريا، من القلمون جنوبًا، ومن البوكمال في شرق سوريا ومن حمص في وسط البلاد.

تشكلت أول كتيبة للنساء في العام المنصرم في منطقة حمص وتحديدًا بعد مجزرة الحولة التي مات فيها 108 أشخاص على الأقل، منهم 34 امرأة و 49 طفلاً. ترفض، جبهة النصرة؛ وهو تنظيم تابع للقاعدة يقاتل في سوريا وتعتبره الأمم المتحدة تنظيمًا إرهابيًا، رفضًا تامًا انضمام النساء ومشاركتهن بالقتال. إلا أن غالبية الجهاديين يقدرون جدًا ألوية النساء.

رغم أن تأثير النساء على البناء القيادي محدود والإنجازات العسكرية التي يمكنهن تحقيقها هي غير واضحة، يبقى للنساء تأثير على الروح المعنوية للمقاتلين. تقدّم النساء عمومًا العلاج الطبي وتهتم بأمور توفير الطعام وتأمين الملاذ الآمن وفي أحيان معينة يشاركن مع القوات المقاتلة.

يبدو أن النساء هن أكبر ضحية لازدياد التعصب الديني بعد الربيع العربي. لكن النساء المقاتلات يقلن أن هذه النتيجة ليس سببها ازدياد التطرف الإسلامي بين الجهاديين، بل ما يدفعهن للانضمام لصفوف المجاهدين هو قتالهن ضد النظام وحماية أنفسهن منه. يدعي بعض الألوية النسائية في سوريا أنهم مستقلون بينما تعمل وحدات أخرى كوحدات بديلة داخل كتيبة للرجال مثل "كتيبة الإخلاص".

لم تختر النساء في سوريا حمل السلاح. تدعي كثيرات منهن أنهن اضطررن للالتحاق بصفوف المقاتلين والقتال. على سبيل المثال لواء النساء السوريات "أمنا عائشة" على اسم الزوجة الثالثة للنبي التي خرجت لتقاتل بالقلم والسيف للدفاع عن رسالته‎. تُعتبر عائشة بطلة بالنسبة للإسلام السنة وتسمية كتيبة تيمنًا باسمها جاء ليؤكد الخلاف الديني بينهم وبين الشيعة الذين لا يحبونها لأنها شاركت في معركة الجمل (656 ميلادي) ضدّ علي بن أبي طالب الذي يعتبره الشيعة البديل القانوني الأول نظرًا لعلاقة الدم التي تربطه بالنبي.

تتكون كتيبة "أمنا عائشة" أساسًا من طالبات جامعيات من كافة أرجاء البلاد، وتدعي المقاتلات فيها "أنهن يقاتلن في الخنادق ذاتها" مع المجاهدين من الجيش السوري الحر. يقوم بتدريب الكتيبة مقاتلون من المجاهدين المرتبطين بتنظيمات متطرفة. تحمل المجنّدات في الكتيبة أسلحة خفيفة.

هناك كتيبة نسائية أخرى تحمل اسم "بنات الوليد" في حمص، والتي ذكرت على اليوتيوب بأن مهمتها هي "علاج الجرحى، مساعدة اللاجئين والمتضررين" وإحراج النظام من خلال توثيق الجرائم التي يرتكبها. أطلق اسم الكتيبة عليها تيمنًا بـ "خالد بن الوليد"، من صحابة النبي وهو الذي قاد جيش النبي بشجاعة وحقق له الانتصارات.

تتدرب بنات الوليد فيما بينهن على استخدام السلاح الذي وظيفته إبعاد "عصابات الأسد" وحماية أنفسهن من الجرائم الجنسية التي يرتكبونها. إن جرائم الاغتصاب - وليس الضجيج ودوي الانفجارات - هي السبب وراء هرب اللاجئين السوريين إلى الأردن ولبنان، هذا ما صرحت به منظمة مساعدات دولية.

لعبت النساء دورًا هامًا وأساسيًا خلال موجة الاحتجاجات وتغيير أنظمة الحكم التي اجتاحت الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بدءًا من النشاط على شبكة الإنترنت ووصولاً إلى المشاركة بالمظاهرات. حضورهن في الثورة السورية هو عسكري أكثر، إنما معظمهن ينشطن من وراء الكواليس. ربما كانت الحرب الأهلية في سوريا هزة أرضية سياسية وأمنية إنما حضارية أيضًا، حيث تتحدى التقاليد المحافظة التي خص بها الإسلام المرأة.