أصبحت عادة إجراء الثقوب في جسم الإنسان في السنوات الأخيرة مهنة وثقافة استهلاكية تحظى بشعبية كبيرة في جميع أنحاء العالم. من منّا لم يُصدم لدى مشاهدته أشخاص قاموا بثقب أماكن في الأذن، وضعوا أقراطًا مبالغًا فيها على الأنف، خواتم وأنواع مختلفة من المعادن في كلّ مكان ممكن من الجسم.

يُعتقد بأنّ فنّ الثّقب منتشر بشكل أساسيّ في أوساط المراهقين، ولكن فحصًا دقيقًا يُظهر أنّ الرجال والنساء والأطفال من جميع الأعمار يميلون إلى التزيّن لمرّة واحدة على الأقل في حياتهم بقرطٍ ما في الأذن، حلقة في الأنف، خاتم في سرّة البطن، قضيب معدني في اللسان أو قرط عصري فوق الحاجب.

نساء قبيلة مرسي إثيوبيا (Wikipedia)

نساء قبيلة مرسي إثيوبيا (Wikipedia)

الشكل الأكثر شيوعًا من الثقب اليوم هو أقراط الأذنين. يعتبر ثقب الأذنين عادة شائعة وأصبحت أكثر شيوعًا لدى كلا الجنسين أكثر من السابق. يمكن إجراء ثقب الأذنين في كلّ مكان في الأذن، بداية من ثقب واحد في إحدى الأذنين أو كلتيهما، وصولا إلى ثقوب على طول شحمة الأذن كلّها. إنّ الاتجاه الحالي لـ "الثقوب المتعدّدة" في منطقة الأذن ليس جديدًا. يعرض متحف Eastern gallery في برلين هذه الأيام منحوتات من الطين عمرها 4000 عام لثقوب على أكثر أنحاء الأذنين.

ولماذا مع ذلك يتم ثقب الجسد؟

إنّ أسباب القيام بالثّقب تختلف مع اختلاف الزمن ومن ثقافة إلى أخرى. على سبيل المثال، يمكن لزوج من الأقراط الذهبية في متحف "‏Ancient World Greek gallery‏" أن يحكي لنا بأنّ الناس الذين عاشوا في جزيرة سايبروس، قبرص اليوم، قبل 2200 عام قاموا بثقب آذانهم. ولكن هذه الأدلة يمكنها كذلك أن تثير أسئلة: هل استخدم كلّ من الرجال والنساء تلك الأقراط؟ ماذا كان الهدف أو معنى استخدام الأقراط أو إجراء الثّقب في الماضي؟

نساء تايلانديات (Wikipedia)

نساء تايلانديات (Wikipedia)

يبحث علماء الآثار وعلماء الأنثروبولوجيا عن إجابات لهذه الأسئلة. نحن نعلم أنّه بالنسبة لقبيلة تلنجت في شمال شرق آلاسكا (في الولايات المتحدة) فإنّ الثّقب في الأذنين مرتبط بشكل مباشر بوضع الفرد في المجتمع. يتمّ تحديد الوضع الاجتماعي وفقًا لثروة العائلة التي ولد فيها الفرد. على الرغم من أنّه فقط في حالات نادرة كان يمكن لابن قبيلة تلنجت أن يحسّن وضعه الاجتماعي، كان بإمكانه رفع قيمة أبناء أخته وأحفاده من خلال استضافة المجتمع المحلّي لوليمة. من خلال هذه الوليمة دفع المستضيف المال لأعضاء المجلس، من أجل ثقب آذان الأطفال. كانت هناك حاجة لثروة كبيرة من أجل إقامة هذه الولائم ولدفع المال للشخص الذي سيثقب آذان الأطفال، ولذلك فإنّ الثقوب الكثيرة لدى شخص واحد ترمز إلى انتمائه للنبلاء.

وعلى سبيل المثال، فإنّ الاتجاه الأخير للثّقب، في بعض دول أوروبا والولايات المتحدة، يتضمّن مدّ شحمة الأذن من أجل إدخال بكرات و"مقابس" ذات حجم كبير جدًّا فيها. هناك تشابه كبير بين البكرات والمقابس التي يرتديها شباب اليوم، وبين تلك التي ارتداها سكان المكسيك القديمة، وأبناء قبيلة المايا. ويمكننا في أنحاء آسيا أن نعثر على نماذج من مدّ شحمات الأذن، والناجمة عن استخدام أقراط ثقيلة جدًّا.

 نساء ذوات العنق الطويل (AFP)

نساء ذوات العنق الطويل (AFP)

وتُعرف نساء شمال تايلاند ببكرات النحاس المدهشة التي يضعنها حول أعناقهنّ. وتسمّى في كثير من الأحيان "نساء ذوات العنق الطويل" أو "المرأة الزرافة"، ويمكنهنّ أن يرتدينَ حتّى 25 بكرة، لا يمكن إزالة معظمها، وتقول الأسطورة بأنّه فيما لو خلعنَ البكرات فسوف تنكسر أعناقهنّ ولن يستطعن حمل الرأس. وتتلقّى الطفلات عادةً مجموعة البكرات الأولى لهنّ وهنّ في سنّ الخامسة، ويكون وزنها نحو كيلوجرامَين. ومع مضيّ السنين يضفنَ البكرات لأعناقهنّ. رغم أنّ الأمر يبدو كذلك، فإنّ العنق لا تطول مع الوقت، في الواقع، فإنّ الأمر يسير باتجاه معاكس. وزن البكرات يضغط نحو الأسفل، ممّا يخفّض عظم الترقوة. ومع الوقت حين تُضاف الحلقات يتمّ ضغط الكتفين للأسفل، وهكذا يتشكّل مظهر العنق الممتدّ.

تعيش قبيلة الآباتاني، التي يبلغ تعدادها 26,000 نسمة، في أعماق الوادي، في ولاية أروناجل برديش، في شمال شرق الهند. اعتبرت نساء الآباتاني أجمل النساء بين قبائل أروناجل. جميلات جدًّا، إلى درجة أنّهن اضطررن لجعل أنفسهنّ أقلّ جاذبيّة، كوسيلة للدفاع ضدّ الغزاة من القبائل الأخرى. ولذلك، وضعت نساء الآباتاني فلّينات من الخشب في أنوفهنّ. لم يستمرّ هذا التقليد إلى الجيل الأصغر سنًّا من النساء في أيّامنا.

حظر ديني ونبذ اجتماعي

كان الثّقب الأول المعروف في التوراة لدى ريبيكا.‎ ‎وذلك حين ذهب أليعازر، خادم إبراهيم، لإحضار زوجة لإسحاق.‎ ‎ووفقًا للمذكور، فحين رأى إليعازر ريبيكا، وضع حلقة في أنفها: "وَحَدَثَ عِنْدَمَا فَرَغَتِ الْجِمَالُ مِنَ الشُّرْبِ أَنَّ الرَّجُلَ أَخَذَ خِزَامَةَ ذَهَبٍ وَزْنُهَا نِصْفُ شَاقِل وَسِوَارَيْنِ عَلَى يَدَيْهَا وَزْنُهُمَا عَشَرَةُ شَوَاقِلِ ذَهَبٍ (سفر التكوين، الآية 22)، وبعد ذلك يوضّح العبد بأنّ ذلك هو زينة للأنف: "فَوَضَعْتُ الْخِزَامَةَ فِي أَنْفِهَا وَالسِّوَارَيْنِ عَلَى يَدَيْهَا" (سفر التكوين، الآية 47).

Elaine Davidson تصوير (Wikipedia)

Elaine Davidson تصوير (Wikipedia)

طبقًا للفقه اليهودي، لا يوجد حظر لعمل الثقوب وهذا بخلاف الوشم المحرّم وفقًا للتوراة. هناك بالطبع تحريم يدعى "لا تخادع"، والذي يحرّم جَرح الجسم، ولكن جرحًا طفيفًا للزينة مسموح. لدى قسم كبير من النساء المتديّنات هناك ثقوب في الأذنين، وهناك بعض النساء يضعن حلقة في الأنف.

وفقا للفقه الإسلامي من الواضح أنّه يُسمح للنساء فقط بثقب آذانهنّ، وآذانهنّ فقط، وذلك لزيادة الجمال. وجاء الدليل على ذلك من الحديث في البخاري والذي يقول بأنّه حين انتهى النبيّ محمد من إمامة صلاة "عيد الفطر المبارك"، طلب من صاحبه بلال بأن يدعو المؤمنين والمؤمنات أن يقيموا فريضة "الزكاة". خلعت بعض النساء أقراطهنّ من آذانهنّ ومنحنها لصالح المحتاجين. وتجدر الإشارة إلى أنّه وبخلاف اليهودية، يُحظر على الرجال أو النساء وضع أقراط في الأنف، لأنّها تعتبر تغييرًا للخلقة الإلهية.

ورغم جميع هذه المحظورات في الشرق الأوسط، تتزايد في الآونة الأخيرة الوشوم والثّقوب. فقد ذكرت وسائل الإعلام عام 2010 على سبيل المثال في المملكة العربية السعودية، بأنّ المحكمة في مدينة جدّة، حكمت على مصفّف شعر لبناني بالسجن لعام، ومئتي جلدة، وغرامة مالية ومصادرة الهاتف الخلوي، بسبب وضع الوشم للنساء في البلاد، الماكياج وتصفيف شعرهن. وقد اشتهر المصفّف عند النساء في السعودية باعتباره "ملك الوشم" واعتقل من قبل دوريات الحشمة التي نصبت له كمينًا في حيّ الروضة، حين أراد الدخول لشقة لإحدى زبائنه. وقد عُثر في الحقيبة التي كانت معه على رموش صناعية، شعر مستعار، مجموعة من أصباغ الشعر، تحضيرات معدّة لتخفيض الوزن، تكبير الثدي وإزالة البقع السوداء من الركبتين.

هناك من سينظر إلى ثقب الجسد على أنّه عمل تجميليّ ، وآخرون سيرون فيه ممارسة مظلمة تعرّض الإنسان للقباحة الجسمانية (Flash90)

هناك من سينظر إلى ثقب الجسد على أنّه عمل تجميليّ ، وآخرون سيرون فيه ممارسة مظلمة تعرّض الإنسان للقباحة الجسمانية (Flash90)

وقد ادّعى اللبناني أثناء التحقيق معه بأنّه يستخدم هذه المواد في عمله كمصفّف للشعر في بلاده، ونفى عمله بذلك خلال تواجده في السعودية. ولكن خلال التحقيق معه تم العثور على رسائل تثبت بأنّه ذهب لبيوت نساء من أجل الوشم، وأيضًا صور لنساء مع وشم. وقد تبيّن من التحقيق بأنّه يعمل بحرفته الإبداعية منذ تسع سنوات ودخل إلى المملكة عدّة مرّات. في البداية استأجر شقّة واستقبل فيها زبائنته، ولكنه بعد ذلك، وخشية من أن تمسك به دوريات الحشمة، بدأ بزيارة شققهنّ.

وإضافة إلى الوشم المشين يبدو أنّ ظاهرة ثقوب الجسد كذلك تجتاح الشابات في السعودية. نشرت صحيفة "الحياة" السعودية في أيار عام 2010، عن الظاهرة المتنامية للأقراط في الشفتين، الحاجبين، السرّة أو حتى الأسنان.وصفت الصحيفة الآراء المختلفة حول الموضوع، حتى بين الشابات أنفسهنّ. وصف بعضهنّ ثقب الجسد بأنّه ممارسة بغيضة لا جمال فيها إطلاقًا، ولكن قالت أخريات بأنّهنّ تلقّينَ ردود أفعال جيّدة من قبل بيئتهنّ ولم يتمّ توجيه النقد لهنّ.

ويبقى سؤال الحاجة وجمال تزيين الجسم هو ذاته: هناك من سينظر إلى ثقب الجسد على أنّه عمل تجميليّ مادّي، وآخرون سيرون فيه ممارسة مظلمة تعرّض الإنسان للقباحة الجسمانية، وفي بعض الحالات أيضًا للأمراض والنبذ الاجتماعي.