كانت إسرائيل قلقة في الأسابيع التي سبقت حرب حزيران (عام 1967)، أسابيع الانتظار في شهر أيار. وامتلأت صحف الدول العربيّة بمقالات الرأي والرسوم الكاريكاتورية عن حرب تقترب سيتخلّص فيها جمال عبد الناصر من الدولة اليهودية، وكان الخوف المستقبلي كبيرًا.  ولكن في الواقع، فقد أديرت الحرب نفسها بشكل مختلف تمامًا عن التوقّعات العربية. وأظهرت ثلاث معارك، تحديدًا الروح الإسرائيلية التي حسمت الكفّة لصالحها في الحرب، وغيّرت الشرق الأوسط حتى اليوم.

عملية "موكد"

كما أنّه من المستحيل أن نعرف كيف كان يبدو الشرق الأوسط لو لم تنته حرب عام 1967 كما انتهت، فكذلك لا يمكن معرفة كيف كانت ستنتهي حرب 1967 لولا عملية "موكد"، في صباح اليوم الاول من الحرب. في عملية كان مخطّطًا لها، ونُفذتْ بشكل تامّ، تجهّزت جميع طائرات سلاح الجو الإسرائيلي باستثناء بعض الطائرات القليلة من أجل تدمير القوات الجوية للجيوش العربية. في الساعة 7:45 تمامًا، كانت جميع الطائرات فوق أهدافها.

ادّعى أحد قادة سلاح الجوّ المصري، عبد الحميد الدغيدي، الذي اعتزل الحياة العامّة بسبب عار الهزيمة، أنّه بسبب هذه العملية خسرت مصر الحرب في غضون ساعات من لحظة اندلاعها.

 تم تدمير 400 طائرة للجيوش العربية في ذلك الصباح وهم 70% من طائرات الجيوش العربية، فمع بداية الحرب، أصبحت معظم مطارات مصر، الأردن وسوريا غير صالحة للاستعمال. وصل القاصفون الإسرائيليون حتى المطار العراقي H3 وألحقوا به ضررًا.

وتمّ تدمير ستّة مطارات مصرية تمامًا: العريش، بير الجفاجفة، بير ثمادة، جبل لبني، الفايد وكبريت. ادّعى أحد قادة سلاح الجوّ المصري، عبد الحميد الدغيدي، الذي اعتزل الحياة العامّة بسبب عار الهزيمة، أنّه بسبب هذه العملية خسرت مصر الحرب في غضون ساعات من لحظة اندلاعها.

شاهدوا الصور التي التقطتها طائرات سلاح الجو الإسرائيلي صباح يوم المعركة

معركة أم قطف

أصبحت هذه المعركة التاريخية، (تدعى أيضًا معركة أبو عجيلة) والتي قادها القائد الشاب والناجح أريئيل شارون، إحدى المعارك الأكثر بريقًا في التاريخ، حيث تُدرّس تحرّكاتها منذ سنوات عديدة في المدارس العسكرية. إنّ الدمج الناجح للجيش الإسرائيلي بين قوى المشاة، المدرّعات، الهندسة والجوّ قد ضرب المصريين ضربة قاسية.

أريئيل شارون: "المصريّون لا يحبّون القتال ليلا، ولا يتمتّعون بمعركة وجهًا لوجه، ونحن متخصّصون في كليهما"

تم تحصين مفرق أبو عجيلة من قبل الجيش المصري منذ العام 1948، وهو يقع على محور حيوي بين جنوب إسرائيل وبين الطرق الرئيسية في شبه جزيرة سيناء. وكلّفت المحاولة الإسرائيلية لاحتلال المنطقة في حرب 1956 الكثير من الضحايا. ولكنّ، جعلت تدريبات الخداع التي أجريتْ قُبيل الحرب المصريّين يظنّون أنّ إسرائيل تركّز قوّاتها في موقع آخر، وهكذا ففي ليلة المعركة حضر إلى المنطقة 8,000 جندي مصري فقط، مقابل 14,000 إسرائيلي.

وجّه قائد الفرقة الإسرائيلية، أريئيل شارون، جنوده قائلا: "المصريّون لا يحبّون القتال ليلا، ولا يتمتّعون بمعركة وجهًا لوجه، ونحن متخصّصون في كليهما". فاجتازت قوات مشاة مدرّعة الحدود وهاجمت المرابطين على الجبهة، في الوقت الذي تسابقت فيه قوات مدرّعة أخرى في الطرق الصحراوية والتفّتْ على القوات المصرية.

بعد يوم من المعركة القاسية التي حارب خلالها المصريون بإصرار كبير، عرض قائد الجبهة على شارون تأجيل الهجوم إلى يوم تالٍ، لانتظار الدعم الجوّي. رفض شارون - الذي كان واثقًا من قدرات جنوده - هذا الاقتراح، وقرّر المهاجمة في تلك الليلة. برعاية المساعدة المدفعية الثقيلة التفّ جنود المشاة الإسرائيليون حول القوة المصرية وداهموا التحصينات، في حين حمّل المصريّين خسائر فادحة.

أمر وزير الدفاع المصري عبد الحكيم عامر بذعر شديد بسحب جميع القوات إلى ما وراء قناة السويس

في الساعة 06:00، علمت القيادة المصرية في القاهرة بسقوط أبو عجيلة والقضاء على المقاتلين المصريين.  فاجأ سقوط النظام الراسخ جدّا، في ليلة واحدة، كبار القادة ودفعهم إلى خيبة أمل شديدة. أمر وزير الدفاع المصري عبد الحكيم عامر، الذي فهم أنّ شعبة رقم 3 المصرية قد حوصرت بين القوات الإسرائيلية، بذعر شديد بسحب جميع القوات إلى ما وراء قناة السويس؛ وهي الخطوة التي حسمت السيطرة الإسرائيلية على جميع سيناء.

الطائرات الحربية الاسرائيلية من نوع "ميراج" خلال حرب 1967 (AFP)

الطائرات الحربية الاسرائيلية من نوع "ميراج" خلال حرب 1967 (AFP)

معركة تل الفخار

كان مركز تل الفخار الذي يقع في إحدى  الطرق الرئيسية في هضبة الجولان أحد المراكز الأكثر تحصينا للجيش السوري في عام 1967. وقد أجبرت الطريق لاحتلال الجولان، الجنود الإسرائيليين على السيطرة على المراكز من أجل مسح المحور.

تسلق قائد الكتيبة الإسرائيلية، الذي اعتقد أنّ القوات الإسرائيلية قد أطلقت النار على بعضها البعض، على تلّة ونادى: "أوقفوا إطلاق النار". في تلك اللحظة أصابه قنّاص سوري فقُتل

وأخذ لواء جولاني على عاتقه مهمّة الاحتلال. فتفرّعت عن التلة شبكة من الخنادق والمخابئ، وكان بعض الخنادق عميقا جدّا ومغطًى بالخرسانة والتراب. وكانت التلّة محاطة من كلّ الجهات بثلاثة أشرطة من الأسلاك الشائكة وبينها ألغام. أدّى تغيير في خطّة الوصول إلى المركز إلى انكشاف القوة الإسرائيلية، وإلى تلقّيها للنيران السورية الشديدة والكثير من الضحايا.

لم يكن واضحًا، خلال المعركة التي اندلعت عقب الهجوم الإسرائيلي، من هي القوات السورية، ومن هي القوات الإسرائيلية. فتسلق قائد الكتيبة الإسرائيلية، الذي اعتقد أنّ القوات الإسرائيلية قد أطلقت النار على بعضها البعض، على تلّة ونادى: "أوقفوا إطلاق النار". في تلك اللحظة أصابه قنّاص سوري فقُتل.

استلقى جنديّان على الأسلاك الشائكة ومكّنوا الجنود من الاجتياز حيث كانوا يخطون على ظهرَيْهما. ما زالت تضحية الجنديّان تُذكر إلى اليوم كمثال على درجة التضحية لدى جنود لواء جولاني

واصلت القوات الهجوم، حيث استلقى جنديّان على الأسلاك الشائكة ومكّنوا الجنود من الاجتياز حيث كانوا يخطون على ظهرَيْهما. ما زالت تضحية الجنديّان تُذكر إلى اليوم كمثال على درجة التضحية لدى جنود لواء جولاني. استمرّ الجنود الإسرائيليون بالهجوم بكميات على القلعة، وتم صدّهم في كلّ مرة في الوقت الذي تكبّدوا خسائر فادحة.

جاءت قوة من المقاتلين من جهة قلعة تل عزيزات القريبة وهي التي حسمت المعركة. هاجم المقاتلون الشباب من الجهة الأخرى، قفزوا إلى داخل الخندق وبدأوا بإبادة السوريين المتحصّنين بمعارك وجها لوجه. قُتل في هذه المعركة ثلاثة وثلاثون جنديّا من لواء جولاني. بعد احتلال التلّ فُتحت أمام الجنود الإسرائيليين الطريق للسيطرة على الجولان كلّه.

اسرى الحرب السوريون في الجولان (AFP)

اسرى الحرب السوريون في الجولان (AFP)

بعد الحرب، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إسحاق رابين لجنود جولاني الذين نجوا من المعركة: "قمتم بتنفيذ إحدى عمليات الاختراق العسكري الأصعب في الجيش الإسرائيلي، بل إحدى العمليات النموذجية للجيش الإسرائيلي كلّه".