"على سبيل المثال كان هناك نقاش منذ وقت قريب عن آدم وحواء، البشر الأوائل على الأرض. فمن المعلوم أنّه بحسب التوراة تظهر قصة خلقهم في سفر التكوين مرّتين. تظهر في إحدى المرات في الإصحاح الأول وفي المرة الثانية تظهر في الإصحاح الثاني. وفقا للوصف الأول فإنّ آدم وحواء قد خُلقا معًا في اليوم السادس، بعد الانتهاء من خلق بقية العالم، الطبيعة والحيوانات كلها. وفقا للوصف الثاني، فقد خلق الله آدم، وضعه في الجنّة وأمره بألا يأكل من شجرة المعرفة. وحينئذ قال الله: "لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ" (سفر التكوين - 18:2). أي إن الله قد خلق في البداية الحيوانات وجلبها للإنسان، ولكنّه لم يجد بهم اقترانا مناسبا، ولذلك خلق الله المرأة "فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. وَبَنَى الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ" (سفر التكوين، الإصحاح الثاني، الآية 21 و 22).

وقد ذُكر في القرآن أيضًا خلقُ آدم مرّات عديدة: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا" (النساء: 1). وكذلك: "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ" (الأعراف: 189).وقد كان هناك مرات عديدة من ذكر مسألة خلق "آدم" وتطوّر بيننا نقاش مستمرّ حول كيف يمكن تفسير ذلك. كان هناك من اتفق معي، علمانيون بشكل أساسيّ، بأنّ الإنسان الأول تكوّن من كلا الجنسين، وعندما كان آدم وحيدا أخذ الله من جسده وخلق حواء. عارض المتديّنون من بيننا، اليهود والمسلمون على حدٍّ سواء، ذلك وقالوا إنّ تفسيري يعتبر كفرًا. بحسب ادعائهم، فقد كان آدم أول بشر على وجه الأرض، ومن جنس الذكر، وبأنّ حواء خُلقتْ بعده، "من لحمه ودمه"، هذا ما قاله لي صلاح علاء الدين، وهو مُركّز في جمعية لقاء الديانات، ونحن ننظر إلى المنظر الرائع من فندق إيفرست، الواقع بين جبل غيلو وقرية بيت جالا (قرب بيت لحم)، على الحدود بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

من اليمين الى اليسار، الشريكان السيد صلاح علاء الدين والسيد يهودا ستولوب (Noam Moskowitz)

من اليمين الى اليسار، الشريكان السيد صلاح علاء الدين والسيد يهودا ستولوب (Noam Moskowitz)

كان أيضًا شريك صلاح، اليهودي، يهودا ستولوب، الذي شاركنا في هذه المحادثة الممتعة، عند وقت الغروب، حول الأنشطة بين الديانات في الجمعية، يومئ برأسه. "إنّ أساس اللقاء بيننا ليس أساسا سياسيّا أو دبلوماسيّا. لم تُثبت اللقاءات الدبلوماسية نفسها في الماضي، وقد أصبح واضحا بأنّ هناك حاجة للتفكير بمعسكر مشترك آخر يوحّد بين شعبيْ المنطقة".

الناشط صلاح علاء الدين (Noam Moskowitz)

الناشط صلاح علاء الدين (Noam Moskowitz)

ولمن لم يستطع حتى الآن أن يفهم حول أي شيء كان النقاش؟ أقول، إنّني أيضًا وفي طريقي لإجراء مقابلة مع العضوين المؤسسين لجمعية لقاء الأديان، أحدهما مسلم من الناصرة، يعيش في القدس منذ 20 عاما، والثاني يهودي من القدس من حيّ بيت هكيرم (غربي المدينة المقدسة)، لم أستطع أن أفهم كيف يمكن لموضوع حسّاس مثل الدين أن يوحّد بين الشعوب. فقد تحوّل الدين في السنوات الأخيرة لكلمة سيّئة، تلك التي تندلع باسمها حروب مقدّسة دامية، والتي تغذّي وتؤجّج نيران الكراهية والعنصرية وتفرض تهديدا على الكثيرين في الشرق الأوسط الجديد.

"أساس اللقاء بيننا ليس أساسا سياسيّا أو دبلوماسيّا. لم تُثبت اللقاءات الدبلوماسية نفسها في الماضي، وقد أصبح واضحا بأنّ هناك حاجة للتفكير بمعسكر مشترك آخر يوحّد بين شعبيْ المنطقة"

بعد أن بدأت الانتفاضة الثانية (2000)، نشأت هوّة عميقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. أصيبت منظمات السلام الإسرائيلية والفلسطينية بالذهول. "كان مهمّا لدينا التخلّي عن القضايا السياسية والتركيز على المجتمعات نفسها. كان يهمّني بشكل شخصيّ أن أفهم ماذا يمرّ على الجار الفلسطيني الذي يعيش قريبًا منّي، ولم يكن حدوث ذلك ممكن بواسطة نقاش سياسي على الأرض. فشلت منظمات السلام في نظري بالعثور على الصيغة المناسبة لتعزيز العلاقات وتضميد الجروح بين المجتمعين، لأنّها بحثت طوال الوقت عن الفصل بين السكان. كيف يمكن القيام بذلك، نحن نعيش "أحدنا داخل الآخر". حياة السلام هي حياة حسن جوار، الاحترام والمعاملة الجيدة المتبادلة بين الجيران. يلائم هذا التفكير رؤية شعوب المنطقة للعالم جدّا: إنهم لا يتميّزون بالسير الأعمى وراء القانون، ولكنّهم مختلطون ببعضهم البعض ويعرفون في أوقات الشدّة كيف يهتمون ببعضهم البعض. فكّرنا أن يكون المعسكر الديني هو المعسكر الذي يمكن من خلاله التقدّم إلى لأمام باتجاه المعاملة بالمثل والضمانات"، كما شرح لي يهودا بحرارة.

ناشطو الجمعية للقاء بين الأديان، مسلمون ويهود (Noam Moskowitz)

ناشطو الجمعية للقاء بين الأديان، مسلمون ويهود (Noam Moskowitz)

ومع ذلك فقد راودني هذا السؤال: "كيف يمكنك إقناعي بأنّ الدين هو معسكر مشترك؟ فإنّه باسم الإسلام، المسيحية واليهودية يُهدر الناس دماء بعضهم البعض؟

الناشط يهودا ستولوب (Noam Moskowitz)

الناشط يهودا ستولوب (Noam Moskowitz)

في هذه المرحلة تدخّل صلاح وقال: "أنت صادق، يميل الناس إلى إقران أعمالهم السياسية بسمات دينية من أجل أن يحظوا بالتعاطف الشعبي وزرع الكراهية والدمار. كنت في جميع مجموعات السلام المحتملة، أعرف نشاطها جيّدا. في اللحظة التي يبدأون فيها بالحديث عن الأساس والقضايا الجوهرية يبدأ كل واحد بالتجمّع مع موقفه وتبدأ النزاعات الصعبة. في حالة النقاشات في اللقاءات بين الأديان التي نعقدها هناك نقاش حقيقي عن المختلف وعن المتشابه، دون تردّد ودون جدالات تفرّق، من باب الاحترام والمعاملة بالمثل".

"فشلت منظمات السلام بالعثور على الصيغة المناسبة لتعزيز العلاقات وتضميد الجروح بين المجتمعين، لأنّها بحثت طوال الوقت عن الفصل بين السكان. كيف يمكن القيام بذلك، نحن نعيش "أحدنا داخل الآخر". حياة السلام هي حياة حسن جوار، الاحترام والمعاملة الجيدة المتبادلة بين الجيران"

تنشط في جمعية اللقاء بين الديانات اليوم مجموعة من نحو 1000 ناشط إسرائيلي وفلسطيني، يهودا ومسيحيّين ومسلمين على حدٍّ سواء، في 69 مجموعة مختلفة في جميع أنحاء إسرائيل والضفة. وقد تبّنت منذ عام 2001 تعزيز السلام من خلال بناء مجتمع مشتركة عربي - يهودي يتأسس على الحوار الفعّال والمفتوح بين الأديان وبين المشاركين.

متى يكون أصعب وقت بالنسبة لكم لإجراء نشاطاتكم؟

"ككلّ نشاط مدني آخر يجري لقاءات بين اليهود والمسيحيين والمسلمين، فبالنسبة لنا أيضًا يكون صعبا جدّا في فترات الحرب. في الصيف الأخير مررنا بحرب صعبة في غزة. كان هناك جوّ عامّ، سواء لدى شركائنا الفلسطينيين أو في أوساطنا نحن الإسرائيليون، من الصعوبة والأسى من احتدام العنف. بل لقد بدأ ذلك قبل هذا مع اختطاف المراهقين الثلاثة والحادثة المروّعة بإشعال محمد أبو خضير"، كما قال لي يهودا بوجه حزين. تدخّل صلاح وأضاف: "أعتقد أنّه رغم ذلك، فقد حاول النشطاء على الأرض أن يدفعوا باتجاه التقريب. كانت لدينا رغبة بإجراء جميع اللقاءات. بل نجحنا في عقد وجبة إفطار(خلال شهر رمضان المبارك)، هنا تماما في ساحة الفندق والتي شارك فيها 50 ناشطًا".

ناشطو الجمعية للقاء بين الأديان، مسلمون ويهود (Noam Moskowitz)

ناشطو الجمعية للقاء بين الأديان، مسلمون ويهود (Noam Moskowitz)

أساس نشاط المنظّمة هو اللقاء بين الفلسطينيين والإسرائيليين والنقاش تحديدا في القضايا الدينية، عن العادات والتقاليد. "المواضيع التي نطرحها هي مواضيع راهنة عن الصوم، العادات، الأعياد، عن الحياة والموت ومواضيع أخرى. تأتي كل مجموعة وهناك عرض عام للموضوع الذي اختير للنقاش. بعد ذلك هناك نقاش في المجموعة حول الموضوع الرئيسي وجوانبه المختلفة وفقا للتقاليد المختلفة"، كما أكّد يهودا.

شيئًا فشيئًا بدأ نشطاء المنظّمة بالتدفّق نحو الفندق والمطعم الذي بقربه. إن بعضهم إسرائيليين قدِموا من أحياء القدس القريبة، والآخرين من بيت جالا وبيت لحم المجاورة، وبعضهم شاركوني بتجاربهم وآخرون فضّلوا عدم إجراء مقابلة.

في الطريق نحو مكتبي في تل أبيب، اخترقت سيارة الأجرة، كتلة هوائية باردة فوق التلّة الصغيرة الواقعة بين بيت جالا وحيّ المالحة، وتعززت داخلي الأفكار حول مستقبل العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين كلّما تقدّمنا نحو الحاجز العسكري عند المدخل إلى الأراضي الإسرائيلية. أعترف، بشكل شخصيّ، لقد ترك لقائي مع النشطاء لديّ انطباعا إيجابيا وهو أن هناك أناس يعيشون بشكل مختلف، بعيدا عن أضواء وسائل الإعلام، والتي تتّخذ غالبا شكل عناوين دموية وأكثر سخونة ولا تعطي أهمية للقاءات اليومية من محاولات التقريب بين الشعبين. بقيت الكثير من الأسئلة مفتوحة. هل سيؤدي النقاش بين الأديان ذات مرة إلى التغيير المنشود؟