في قلب يافا، في القسم الخلفي من ملحمته الشهيرة، يجلس بشارة حناوي في غرفة صغيرة ومتواضعة، ويدير مصلحته التجارية. أمام الحاسوب، خلف المنضدة، أو في غرفة الثلاجات، ليس ثمة مهمة لا يقوم بها حناوي في عمله.

ورث الملحمة عن أبيه، الذي ورثها عن جده. ومنذ سن مبكرة، كان يساعد والده في العمل ويتعلم المهنة، ومنذ أكثر من عشرين عامًا يعمل في مجال اللحوم بشكل مستقلّ. وقد أورث جدُّه خبرته في مجال اللحوم إلى أعمامه، الذين نقلها كلٌّ منهم إلى أبنائه. هكذا، وُلدت "إمبراطورية اللحوم" لآل حناوي.

"لكلٍّ منّا ملحمته الخاصّة. من جهة نتنافس في حياتنا اليومية على الزبائن، ولكننا نتعاون، نلتقي، ونساعد واحدنا الآخر، من الجهة الأخرى، فنحن عائلة في النهاية. إذا خفض الذي يزوّدني اللحوم الأسعار، أبلغ أبناء عمي مباشرة ليطلبوا تخفيضًا من المزوّدين هم أيضًا".

عام 2000، قرر بشارة "تحسين" الملحمة، وتحويلها إلى دكان لبيع المعلَّبات. في تلك الفترة، لم تكن في البلاد "ملاحم محسّنة". كان التحسين في مجالات النظافة، الراحة، والمظهر. كانت الخطوة الأولى الاهتمام بالنظافة دونما تنازل. نُقل اللحم إلى العرض في ثلاجات شفافة، وعُرض على الزبائن، تمامًا كما رأوا معالجة اللحم، حتى يعرف الزبائن أنهم ينالون اللحم الطازج والأكثر نظافة. "طوّرت هذا قُدما. صنعتُ شعارا، حينما لم يكن أحد يظن أنّ الملحمة بحاجة إلى شعار. عندما نجح ذلك، تبنى جميع أفراد الأسرة هذا الشعار. حينها، قررتُ تمييز نفسي، فوُلدت العلامة التجارية "بشارة من عائلة حناوي".

دكان حناوي في يافا (صورة بإذن بشارة حناوي)

دكان حناوي في يافا (صورة بإذن بشارة حناوي)

يشرح بشارة أنّ تمييز نفسه كان مهمّا حتى يعرف الزبائن أنهم يصلون إلى المكان الصحيح، وليس إلى حناوي آخر. "علمتُ أنّ عليّ جذبَ الزبائن. أصبح الوضعُ اليومَ معقَّدًا أكثر. يومًا ما، كان كل شخص يذهب إلى لحَام ما، ولم يكن يذهب إلى مكان آخر إلا عندما يُقفل اللحام متجره أو يتوفى. اليوم، ثمة منافسة هائلة. إن لم تزوّد البضاعة فورًا، فالزبائن سيذهبون إلى مكان آخر، بكل بساطة".

كانت الخطوة التالية إصدار كتاب الطبخ، الذي تتصدره صورته المزينة، إلى جانب العلامة التجارية الجديدة. "عملتُ على الكتاب أكثر من عامَين. وهو يحتوي أساسًا على وصفات بيتية، كتبتُها سويةً مع أمي، وكذلك بعض الوصفات التي "تبرع" بها للكتاب أصدقائي من عالم المطاعم في إسرائيل، طبّاخون كنتُ معجبًا بهم، وهم أصدقاء جيدون لي اليوم. مساهمتي الشخصية تتمثل خصوصًا في التوضيحات عن اللحم - كيف تجري معالجته حسنًا، أية شريحة مناسبة لأية طبخة، ماذا يجدر طحنه، خبزه، وقليه. إنها المعلومات الأهم لكل من يريد تحضير اللحم". الكتاب منسّق ومزيَّن، وترافق الوصفاتِ صورٌ جذّابة. التنسيق جميل وعصريّ، لكنه يضمّ عناصر عربية تتقاطع مع الفحوى. جزء من وصفات الكتاب يمكن إيجاده أيضًا في الموقع الجديد الذي أطلقه بشارة مؤخرًا.

كتاب الطبخ لبشارة حناوي (صورة بإذن بشارة حناوي)

كتاب الطبخ لبشارة حناوي (صورة بإذن بشارة حناوي)

يجيب بشارة عن سؤالي بالقول إنه ليست لديه وصفة مفضّلة في الكتاب. "كلٌّ من الوصفات يذكّرني بوالدتي وبالطفولة. في الطفولة، كنتُ أرى كل يوم طبخةً جديدة في القدر، وأحيانَا اثنتَين في اليوم، وكنتُ كل يوم أنتظر لأرى ماذا حضّرت أمّي". عائلة بشارة من يافا، مدينة مختلطة، وكذلك زبائنه. "لدينا زبائن يهود، مسلمون ومسيحيون. أنا من عائلة مسيحية، لكنني أحتفل بجميع الأعياد مع الجميع. وقد قمنا الآن، احتفاءً برمضان، بإجراء تخفيضات بقيمة 10% على كل ما في الدكان، حتى يتمكن الناس من شراء المزيد والاحتفال كَما يجب. وأذهب كذلك للإفطار لدى أصدقاء ولدى العاملين لدي. لديّ كذلك الكثير من الزبائن والأصدقاء اليهود".

يروي بشارة أنّ الأشخاص الذين يعمل معهم هم من يمنحونه الطاقة. "أستمتع جدًّا هنا. أحبّ العمل مع اللحوم، وكذلك "التجارة"، لكنّ الأهم هو الناس. أعرف هنا الجميع، وهم يهتمون، يأتون كل يوم. ثمة علاقة شخصية، وهذا هو الأكثر أهمية، وأثمن من المال. الأكثر أهمية في العمل هو المحبَّة. إنه الأمر الأول الذي يظهر في لائحة أسعار اللحم - المحبة: هناك وفرة منها، وبشكل مجاني".

صورة لحم من كتاب الطبخ لبشارة حناوي

صورة لحم من كتاب الطبخ لبشارة حناوي

هذه المحبة للّحوم وللناس تنتقل في عائلة حناوي أبا عن جد منذ ثلاثة أجيال. عندما أسأل بشارة عما سيحدث مستقبلًا، إذا كان يريد أن يرث أبناؤه عمله منه، يبتسم بارتباك. "نعم ولا. هذه مهنة صعبة جدا. أنا أبذل كلّ ما لديّ. أظنّ أنني أفضّل أن يتعلم أولادي مهنة ما، فهذا يزوّدهم بشبكة أمان. لم أدرس في أي مكان، لكنني أمتلك اليوم خبرة، وبإمكاني تعليم الآخرين. ليس هناك أمر لا أقوم به. أنا أهتم باللحم أيضًا، لكن عند الحاجة أدخل وأنظّف الثلاجات والأرض، وأهتم بأن يكون كل شيء على ما يرام، وهناك أيضًا موضوع إدارة الحسابات. لديّ الخشية ألا يقوم أي شخص آخر بالعمل كما كنتُ أريده أنا. يُخيّل لي أنّ والدي فكّر بنفس الطريقة عني. أفضّل أن يتعلم أولادي، ولكن إن أحبوا العمل وأرادوا الانضمام، فسيسرني ذلك".

من كتاب وصفات بشارة، اخترتُ طبخة البامية واللحم، التي يكتب عنها بشارة أنها "تنتمي إلى عائلة المأكولات التي يمكن أكلها في بيت الأم فقط".

طبخة البامية واللحم (صورة بإذن بشارة حناوي)

طبخة البامية واللحم (صورة بإذن بشارة حناوي)

المقادير

نصف كيلوغرام من البامية الصغيرة الطازجة
زيت للقلي العميق
نصف كيلوغرام ساق أو كتف خروف، مقطعة إلى مكعَّبات
أو نصف كيلوغرام لحمة عجل، مقطّعة إلى مكعَّبات

3 ملاعق كبيرة زيت زيتون
4-5 أسنان ثوم مهروسة
ملعقة صغيرة من البهارات
ملعقتان من هريس البندورة

طريقة التحضير

نغسل البامية ونجففها جيّدا، يُفضَّل على منشفة. نزيل الشوك بحذر، ونحرص على إزالة الطرف فقط، دون المس بالبامية. نسخّن الزيت للقلي العميق، نقلي البامية قليًلا، لمدة 5 دقائق تقريبًا، حتى يصفرّ لونها قليلًا.

نضع اللحم في الطنجرة، نضيف ماءً حتى تغطية اللحم، ننتظر حتّى الغليان، نخفض اللهب، ونطبخ لمدة ساعة حتى ساعة ونصف، حتى يصبح اللحم لينا.

نسخّن زيت الزيتون بالمقلاة، نضيف أسنان الثوم، ونقلي بشكل خفيف (نحذر جدا، لأنّ الثوم المقلي أكثر من اللازم يصبح مرًّا). نضع بحذرٍ الثومَ والزيت في طنجرة اللحم، نضيف البامية، البهارات، وهريس البندورة. نطبخ على نار هادئة نحو ربع ساعة، ونحذر لئلا نخلط أو نطبخ أكثر من اللازم حتى لا تتفكك البامية.

نقدّم في صحن عميق مع أرزّ أبيض جانبًا، أو مع خبز عراقي بطريقة التجفيف. صحتين!