الصحيفة الإسرائيلية امتلأت هذا الصباح (الأحد) بتحليلات وأنباء حول ما حدث في جنيف في نهاية الأسبوع الأخير. وتشير التقارير إلى أن الرسائل شديدة اللهجة التي أرسلها نتنياهو في نهاية الأسبوع ("صفقة سيئة جدًا"، "إسرائيل غير ملتزمة بها") نابعة من الحقيقة أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، الذي مكث في إسرائيل هذا الأسبوع ووعد بأن تكون تخفيفات العقوبات محدودة (تحرير تدريجي لما يتراوح بين 3 وحتى 5 مليارات دولار من أرباح النفط الإيراني) قد أوقعه في الخطأ، ولكن من الناحية الفعلية، وأمام الإيرانيين، كانت المواقف الأمريكية أبعد بكثير وشملت أيضًا تخفيف في شروط الإتجار بالمنتجات البتروكيماوية وغيرها.

في الوقت الذي تبدي فيه الولايات المتحدة موقفًا متساهلا في المفاوضات، قام الفرنسيون "بإنقاذ الوضع" ومنعوا الاتفاقية في اللحظة الأخيرة. وتفيد التقديرات في إسرائيل أنه هذا الأمر نابع، من بين أمور أخرى، من توثيق العلاقات بين باريس والرياض، التي تبحث عن قنوات بديلة للتحالف مع الولايات المتحدة. وكان تصرف السعوديين هادئ وركّز على تفعيل ضغط من وراء الكواليس، بينما تفوه وزراء كبار في إسرائيل بخطابات شديدة اللهجة ضد الاتفاقية في وسائل الإعلام.

كما ادعي أن الولايات المتحدة تتخلى عن حليفات لها مثل إسرائيل، المملكة العربية السعودية، مصر ودول الخليج وتتركهم وحدهم أمام التهديد الإيراني. ويدعي المحللون بحق أوباما: كل ما يعنيه هو ألا تتوصل إيران إلى قنبلة تحت حراسته. وكتب المحلل دان مرجليت في صحيفة إسرائيل اليوم: "أوباما هو رئيس قصير الأمد. سيتم تقديم سند دينه لصرفه خلال ثلاث سنوات. إذا لم تكن لدى إيران حتى ذلك الحين قنبلة نووية، فها هو قد حقق هدفه، وسيقول "فليأتي الطوفان بعدي". ولكن العالم ينظر بقلق إلى قصر نظر واشنطن. ليس الغرب لوحده، بل كذلك حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط‎. الاتفاقية سيئة جدا لأنها تقرّب آيات الله من أهدافهم النووية. إنها سيئة لأنها تُبقي حليفات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط - المملكة العربية السعودية ودول الخليج ومصر - معدومة الحماية وفاغرة أفواهها".

أما محلل الشؤون الخارجية، نداف إيال، فقد وجه في صحيفة "معاريف" انتقادات شديدة اللهجة إلى سلوك الدول العظمى - "إذا تم تفويت نافذة الفرص في الظروف الحالية، فإن الانهيار من شأنه أن يمنح طهران حوالة مفتوحة للعدو قدمًا في برنامجها النووي. حيال مثل هذه المفاوضات، كان من شأن الدول العظمى الغربية أن تأتي على استعداد وتنسيق بينها وحكمة جيدة. لقد نسقت - مع إيران وليس فيما بينها".

فمن جهة، تم التوصل إلى اتفاق حول معظم المسائل - ستتوقف إيران عن تخصيب اليورانيوم لمستوى %20 (حيث يتيح بسهولة التوصل إلى مستوى عسكري من %90، المطلوب لإنتاج قنبلة)، ولكن يمكنها أن تواصل تخصيب اليورانيوم إلى مستوى %3.5 للأهداف المدنية، خفض عدد أجهزة الطرد المركزي التي تقوم بتخصيب اليورانيوم، ولكن لن يتم تفكيك هذه الأجهزة بل سيتم "تجميدها". مقابل كل هذه الأمور، ستقوم الولايات المتحدة بتسييل فوائض العملة الصعبة الخاصة بإيران وتخفيف العقوبات على تجارة بالبضائع النفيسة.

ولكن من جهة أخرى، ما زالت هناك خلافات في مسائل جوهرية: يرفض الإيرانيون وقف بناء وتفعيل مفاعل المياه الثقيلة في أراك، الذي يتم فيه تخصيب البلوتونيوم، الذي يمكن إنتاج قنبلة منه أيضًا. كما لا توافق إيران على تقليص كمية اليورانيوم الذي تم تخصيبه حتى الآن إلى مستوى 20% أو نقله ليكون تحت مراقبة الغرب. مسألة مراقبة مراقبي الأمم المتحدة هي أيضًا بقيت من دون اتفاق واضح، وكذلك حجم تخفيف العقوبات - ففي الوقت الذي يستعد فيه الغرب لتخفيف ما، يطالب الإيرانيون برفع كافة العقوبات بشكل جارف.

ولكن على الرغم من الخلافات، ثمة اعتراف ما في إسرائيل بأن التوقيع على الاتفاقية لا يمكن منعه، ويبدو أيضًا أن التأثيرات التي ستكون لهذه الاتفاقية على علاقات إسرائيل والولايات المتحدة هي تأثيرات مدمّرة. كان نتنياهو قد "وبّخ" يوم الجمعة الماضي كيري قبل مغادرته إسرائيل إلى جنيف، وبعد ذلك تحدث عبر مكالمة فيديو مع أوباما، وبدا في نهايتها غاضبًا وعصبيًا، كما لم يكن ذات مرة. وكتب المحلل السياسي في "يديعوت أحرونوت"، ألكس فيشمان، أنه "في بعض الأحيان تكون النظرات والحركات أهم من الكلمات، وكانت لغلة الجسد في هذه المحادثة تصرخ أن هناك أزمة بين رجلين وصل تقديرهما المتبادل إلى الحضيض".