منذ إعلان تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش) عن إقامة الدولة الإسلامية، وبقوة أكبر من ذي قبل، منذ تزايد الهجمات العسكرية للدول الغربية ضدّ التنظيم، يسعى عناصر التنظيم إلى زيادة الشرعية الدينية على حكمهم. ومن أجل ذلك، فقد زادوا من استخدام الروايات الإسلامية التنبّؤية التي كُتبت في القرون الوسطى وتمت ملاءمتها مع الظروف السياسية والعسكرية الحالية.

يدّعي عناصر الدولة الإسلامية أنّ الروايات الإسلامية منذ عهد النبي وحتى القرون الوسطى تنبّأت، في الواقع، بإقامة التنظيم في أيامنا هذه. والجمهور الرئيسي المستَهدف في هذه المنظومة الدعائية هو جمهور السكان الذين يعيشون تحت حكم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، ولكن يسعى التنظيم إلى أن يكون ملهما بهذه الطريقة أيضًا في أوساط المسلمين من جميع أنحاء العالم.

وقد ظهرت الروايات التنبّؤية التي تصف يوم القيامة القريب، والحروب التي سيشنّها المسلمون ضدّ أبناء الديانات الأخرى (وعلى رأسها المسيحيون واليهود)، منذ عهد النبي محمد. ففي العديد من الآيات القرآنية تم التأكيد على أهمية الاعتقاد بالله ودينه قبل مجيء يوم القيامة القريب، وتدلّ علامات من القمر وظواهر مثل الزلازل على ذلك. وقد صوّرت روايات تنبّؤية أخرى حروب النبي محمد ضدّ قبائل اليهود في المدينة؛ وقد شجّعت المسلمين على قتال هذه القبائل ووصفت الحرب ضدّهم بصفته أحد علامات يوم القيامة. تهدف هذه الآيات والروايات التنبّؤية إلى إثارة الخوف في أوساط المستمعين وبذلك تشجيعهم على الانضمام إلى الدين الجديد، والقتال من أجله والخلاص من خلاله. ولهذا السبب لم تعكس الآيات تطوّرات تاريخية مهمة، كالتعامل المتسامح الذي تبنّاه النبي تجاه اليهود (إلى درجة حماية ممتلكاتهم وحياتهم في أماكن مختلفة) بعد طردهم من المدينة.

وقد تمت كتابة الروايات التنبّؤية أيضًا في فترة الحكم الأموي (‏661‏—‏749‏). ومن أجل منح حكام بني أمية الشرعية الدينية وتشجيع المسلمين على قتال البيزنطيين تمت كتابة هذه الروايات التنبّؤية التي تصف الحكام الأمويين كمنقذين سيحتلّون مدينتي القسطنطينية وروما من أيدي المسيحيين. وعرضت روايات أخرى معارك المنطقة الحدودية دابق (شمال سوريا اليوم) بين الأمويين والبيزنطيين كعلامة على يوم القيامة الوشيك وكشهادة على أنّ الحاكم الأموي هو المنقذ الذي سيفرض العدالة بين المسلمين. عندما أسقطت السلاسة العباسية بني أمية عام 749 استخدم الحكّام الجدد الروايات التنبّؤية التي ذمّت بني أمية كأعداء للإسلام. تصف إحدى الروايات الشهيرة مجيء المخلص من منطقة خراسان (إيران اليوم)، وهي المنطقة التي خرج منها المتمرّدون العباسيون ضدّ الحكم الأموي، وهو يحمل مع رجاله رايات سوداء، يُسقطون الحكم الكافر ويحكمون بطريقة النبي.

معركة دابق

معركة دابق

استخدم تنظيم الدولة الإسلامية هذه الروايات مع عزلها عن سياقها التاريخي وتفسيرها وفقا لاحتياجاته. اعتمد في بداية طريقه الراية السوداء ولاءَمَ الرواية العباسية القديمة لواقع العراق في عهدنا. ادعى عناصر داعش أنّ النظام الشيعي في العراق هو ذراع لإيران. ومن هنا نتج أنّ داعش تحارب النظام الشيعي الكافر وتحقق نبوءة قدوم المخلص. اعتمد التنظيم روايات تنبّؤية أخرى من الفترة العباسية، والتي تصف الحكّام الجدد كصالحين ويخافون الله ويتبعون النبي ويحكمون وفق شريعة الله.

ومع زيادة قوة الهجمات الغربية بدأ عناصر الدولة الإسلامية باستغلال روايات من فترات حروب الأمويين ضد البيزنطيين. وفقا لزعمهم فهم يتواجدون في المنطقة الحدودية القديمة دابق (وهو اسم تم اعتماده للمجلة الرسمية للدولة الإسلامية) ويقاتلون فيها "البيزنطيين"، القوى الغربية. إنّ عرض الصراع كحرب يوم القيامة للمسلمين ضدّ المسيحيين يهدف إلى جذب منضمّين جدد ومتحمّسين إلى التنظيم.

ففي الأشهر الأخيرة، وعلى خلفية تنامي موجة العنف في الضفة الغربية والقدس، ظهرت أيضًا محاولة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية لاستخدام روايات تنبّؤية من فترة حرب النبي ضدّ القبائل اليهودية في المدينة. يُطبّق التنظيم هذه الروايات القديمة في أيامنا هذه مستعينا بها لتقديم نفسه كمخلّص يقاتل اليهود. وهنا أيضًا يتجاهل التنظيم التحسّن في علاقة النبي محمد مع اليهود في فترة متأخرة. وفي الختام، يختار تنظيم الدولة الإسلامية بعناية روايات إسلامية تنبّؤية، يعزلها عن سياقها التاريخي، ويعرضها كنبوءات تتحقّق في أيامنا وبهذا يستغلّها لمصالحه السياسية، العسكرية، الدينية والأيديولوجية.

نُشر هذا المقال لأول مرة في منتدى التفكير الإقليمي